في خطوة قضائية بالغة الدلالة تحمل في طياتها أبعاداً مالية وسياسية متداخلة، فجر ملف المؤسسات المالية الموازية للنظام المصرفي اللبناني مواجهة قانونية جديدة؛ حيث كشفت صحيفة “الشرق الأوسط”، عن قيام وزير العدل عادل نصّار بإحالة ملف مؤسسة “القرض الحسن” —الذراع المالية الأبرز لحزب الله— إلى النيابة العامة التمييزية، طالباً فتح تحقيق قضائي موسع وشامل في طبيعة أنشطتها المالية ومدى التزامها بالقوانين اللبنانية النافذة.
وزير العدل لـ “الشرق الأوسط”: قناعة داخلية ولا إملاءات خارجية
وفي تصريحات خاصة أدلى بها أكد وزير العدل عادل نصّار أن هذا الإجراء القانوني لم يكن وليد اللحظة، بل «جاء بناءً على دراسة قانونية معمقة أجرتها الدوائر المختصة في الوزارة، وتكوّنت لدينا بناءً عليها قناعة راسخة وأسباب كافية أفضت إلى وضع القضية برمتها في عهدة النيابة العامة التمييزية لاتخاذ الإجراءات اللازمة».
وشدد نصّار على أن دور وزارة العدل يقتصر بحسب القانون على الإحالة عند توفر معطيات وشبهات تستدعي التحقيق، في حين يبقى البت الفعلي في وجود جرم جنائي أو مالي من عدمه حكراً على النيابة العامة التمييزية والقضاء الذي يتحرك باستقلالية تامة.
ونفى وزير العدل بصورة قاطعة في حديثه لـ “الشرق الأوسط” أن يكون هذا التوجه القضائي ناتجاً عن أي إملاءات، أو مراسلات، أو ضغوط من جهات خارجية، جازماً بأن الخطوة مرتبطة بالدور الرقابي المحدد للوزارة.
وفجر نصّار مفاجأة أخرى بالإشارة إلى أن الملاحقة لا تقتصر على “القرض الحسن” فحسب، بل تشمل مؤسسات وجهات مالية موازية أخرى، وفي مقدمتها شركة “جود”، وذلك بعد أن أظهرت الدراسة الداخلية علامات استفهام كبرى حول الأنشطة المالية التي تمارسها هذه الكيانات والمخالفات التي قد تتفرع عنها.
مصادر “الشرق الأوسط” القضائية: خريطة تحقيقات متشعبة وصلاحيات معقدة
على المقلب القضائي، نقل كاتب المقال يوسف دياب عن مصدر قضائي رفيع المستوى، أن النائب العام التمييزي القاضي رامي الحاج، تسلم رسمياً إحالة وزير العدل وباشر فوراً عكوفه على دراسة مستنداتها وصياغة خطة التحقيق قبل تحديد مواعيد جلسات الاستماع الرسمية.
ورجح المصدر القضائي عبر صحيفة “الشرق الأوسط” أن يتخذ التحقيق مساراً جغرافياً وإدارياً متشعباً نظراً لتداخل الصلاحيات:
- الشق الإداري والأمني: سيتولى جزءاً منه جهازا الأمن العام ووزارة الداخلية، للتثبت قانونياً مما إذا كان ترخيص “جمعية” القرض الحسن لا يزال ساري المفعول وصالحاً أم أنه بات مجمداً أو ملغى.
- الشق المالي والمصرفي: في حال ثبوت المخالفات المالية، سيتمدد التحقيق ليشمل حاكمية مصرف لبنان (البنك المركزي) و”هيئة التحقيق الخاصة” لمكافحة تبييض الأموال، بهدف تتبع حركة التدفقات النقدية ومعرفة المصادر الحقيقية لتلك الأموال الضخمة.
صراع النظامين وواقع الانهيار
وتأتي هذه الإحالة القضائية لتسلط الضوء على واقع مؤسسة “القرض الحسن” التي تدرجها وزارة الخزانة الأميركية منذ سنوات على قوائم العقوبات الصارمة، في وقت لا تحظى فيه بأي اعتراف أو ترخيص من السلطات النقدية اللبنانية، بل سبق لمصرف لبنان أن أصدر تعاميم حظر بموجبها على المصارف الشرعية التعامل معها.
ويرى مراقبون، أن هذا الملف يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الرقابية، لا سيما بعد الانهيار المالي التاريخي الذي ضرب القطاع المصرفي التقليدي منذ خريف عام 2019، وما نتج عنه من ازدهار للاقتصاد النقدي الموازي؛ حيث تحول “القرض الحسن” إلى نظام مالي متكامل يلبي الاحتياجات المعيشية والائتمانية لبيئة حزب الله عبر تقديم قروض ميسرة بضمانات ورهونات عينية من الذهب والمجوهرات والعقارات.
الهجوم المضاد والتعاون المشروط: زيارة نيابية سرية إلى القاضي الحاج
وعلى الرغم من التوقعات بأن يثير الملف عاصفة من السجال السياسي الحاد، وأن يدفع حزب الله لشن هجوم معاكس باعتبار الخطوة امتداداً للحصار المالي المفروض عليه، خاصة في ظل الدور الإغاثي الذي لعبته المؤسسة في تقديم المساعدات والتعويضات لآلاف المهجرين جراء الحرب الأخيرة؛ فإن المصدر القضائي كشف لـ “الشرق الأوسط” عن معطيات مغايرة ترجح خيار “التعاون المشروط”.
وحسبما أورد المصدر القضائي، فمن المتوقع أن يتعاون حزب الله مع القضاء لإبراز دفوعاته القانونية ومحاولة إثبات أن عمل المؤسسة لا يشوبه أي نشاط غير مشروع. وكشف المصدر لـ “الشرق الأوسط” عن خبايا كواليس أسابيع ماضية؛ حيث قام وفد رفيع المستوى من نواب حزب الله بزيارة غير معلنة للنائب العام التمييزي القاضي رامي الحاج قبل أسبوعين، وتعهد الوفد خلالها صراحة بوقف العمل الفوري بكافة أجهزة الصراف الآلي (ATMs) التابعة لـ “القرض الحسن”، والامتناع التام عن إجراء أي تحويلات أو عمليات إيداع مالي قد تتعارض مع نص وروح الترخيص الممنوح للمؤسسة كجمعية خيرية، مما يشير إلى رغبة الحزب في استيعاب العاصفة القضائية ضمن أطر مرنة تجنباً لصدام كامل مع سلطات الدولة.

