من أوصل لبنان إلى الطريق المسدود؟ وهل ما زال ورقة على الطاولة الإيرانية؟

عندما يتحدث مسؤول في حزب الله عن أن السلطة اللبنانية وصلت إلى “طريق مسدود”، يبرز سؤال بديهي: من أوصل لبنان إلى هذا الطريق؟

فمنذ أكثر من عقدين، لم يكن حزب الله مجرد طرف سياسي، بل لاعبًا أساسيًا في القرارات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم والعلاقات الخارجية والتوازنات الداخلية. لذلك يصعب تقديم نفسه اليوم كناقد محايد للأزمة اللبنانية من دون التوقف عند دوره في صناعة جزء كبير من واقعها.

لبنان بين الدولة والصراعات الإقليمية

لبنان لم يدخل أزماته المتلاحقة بسبب تمسكه بالدولة أو بعلاقاته العربية والدولية، بل نتيجة تحوله تدريجيًا إلى ساحة لصراعات ومشاريع إقليمية تجاوزت مصالحه الوطنية. ومن المفارقة أن بعض القوى التي ساهمت في هذا المسار تحاول اليوم تحميل الآخرين نتائجه.

ويتحدث الحزب عن “أوراق القوة” التي أضاعتها الدولة، لكن حصيلة السنوات الماضية تطرح أسئلة واضحة: ماذا حققت هذه الأوراق للبنانيين؟

فالاقتصاد انهار، والمؤسسات ضعفت، والهجرة تصاعدت، وتراجع موقع لبنان العربي والدولي. ولم يكن ذلك نتيجة قوة الدولة، بل نتيجة إضعافها لمصلحة مراكز نفوذ موازية.

هل ما زال لبنان ورقة تفاوضية؟

لكن الإشكالية لا تقتصر على تحميل الدولة مسؤولية الإخفاقات، بل تمتد إلى الإيحاء بأن مصير لبنان لا يزال مرتبطًا بأي اتفاق أميركي – إيراني محتمل، وكأن مستقبله يبقى رهينة الحسابات الإقليمية.

هنا يبرز السؤال الأساسي: هل ما زال ربط المسارين اللبناني والإيراني واقعًا سياسيًا، أم أنه تصور لم يعد ينسجم مع التحولات الإقليمية والدولية؟

تبدل المعادلات الإقليمية

لسنوات، اعتبرت إيران نفوذها في لبنان إحدى أوراقها التفاوضية، وقامت معادلة “محور الممانعة” على أن أي تسوية كبرى لا يمكن أن تتجاوز دور طهران في لبنان. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى تراجع وضوح هذه المعادلة.

فالمجتمع الدولي والدول العربية المعنية باتت تتعامل بصورة متزايدة مع لبنان كملف مستقل، فيما استعادت الدولة اللبنانية موقعها كمرجعية تفاوضية معترف بها دوليًا. لذلك يبدو الاعتقاد بأن أي تفاهم أميركي – إيراني سيحل تلقائيًا الأزمة اللبنانية أقرب إلى رغبة سياسية منه إلى واقع قائم.

لقد سئم اللبنانيون دفع أثمان مشاريع الآخرين وتحويل وطنهم إلى ساحة لتبادل الرسائل الإقليمية.

مصلحة لبنان أولًا

إيران تسعى بطبيعة الحال إلى الاحتفاظ بأوراق نفوذها الإقليمية، لكن مصلحة اللبنانيين تكمن في تثبيت مبدأ أن القرار اللبناني لا يجب أن يكون جزءًا من أي مساومة خارجية.

والمفارقة أن الخطاب الذي وعد بتغيير موازين المنطقة عاد اليوم ليربط مستقبل لبنان بنتائج تفاوض بين واشنطن وطهران. وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كانت التسويات الدولية هي التي تحدد المسارات النهائية، فلماذا دفع اللبنانيون أثمان الصراعات طوال هذه السنوات؟

الدولة ومسؤولية القرارات

كما أن تحميل الدولة وحدها مسؤولية الإخفاقات يتجاهل حقيقة أن قرارات أساسية مرتبطة بالمواجهة الإقليمية لم تكن بيد المؤسسات الدستورية اللبنانية. ومع ذلك، يُطلب من الدولة تحمل نتائج خيارات لم تتخذها.

فالسيادة لا تعني الشعارات، بل أن يكون القرار السياسي والعسكري والدبلوماسي بيد الدولة وحدها. أما مصادرة هذه الصلاحيات ثم تحميل الدولة مسؤولية الأزمات، فهو تناقض يصعب تبريره.

تجربة المحاور الإقليمية

كذلك فإن الإيحاء بأن المشكلة تكمن في عدم اقتراب لبنان أكثر من إيران أو حزب الله يتجاهل تجربة أثبتت أن ربط البلاد بمحور إقليمي لم يوفر لها الاستقرار أو الازدهار، بل جعلها عرضة للتجاذبات والصراعات.

لقد سئم اللبنانيون دفع أثمان مشاريع الآخرين وتحويل وطنهم إلى ساحة لتبادل الرسائل الإقليمية. لذلك تتعزز اليوم قناعة بأن لبنان يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات فاعلة وسياسة خارجية تخدم مصالحه الوطنية قبل أي اعتبار آخر.

أهمية التفاوض باسم الدولة

والتفاوض الذي تقوده الدولة اللبنانية اليوم قد يكون قابلًا للنقد، لكنه يتم باسم الجمهورية اللبنانية لا باسم أي حزب أو محور، وهذه نقطة أساسية يجب البناء عليها.

أما الحديث عن الطريق المسدود، فإن بدايته الحقيقية تكون عندما يتوزع القرار بين مرجعيات متعددة، وعندما تُربط مصلحة لبنان بحسابات خارجية، وعندما يُستبدل منطق المؤسسات بمنطق القوة.

الإشكالية لا تقتصر على تحميل الدولة مسؤولية الإخفاقات، بل تمتد إلى الإيحاء بأن مصير لبنان لا يزال مرتبطًا بأي اتفاق أميركي – إيراني محتمل، وكأن مستقبله يبقى رهينة الحسابات الإقليمية.

مراجعة التجربة والبحث عن الخلاص

لذلك، فإن إنقاذ لبنان لا يبدأ بإلقاء اللوم على الدولة، بل بمراجعة التجربة التي أوصلت البلاد إلى أزماتها. فلبنان لم يفشل لأنه اختار الدولة، بل لأنه لم تُتح لها أن تمارس دورها الكامل.

لقد حان الوقت لإنهاء منطق الوصايات المقنعة والرهانات الخارجية، وترسيخ مبدأ أن مستقبل لبنان يُصنع في بيروت لا في أي عاصمة أخرى.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الدولة اللبنانية وصلت إلى طريق مسدود، بل ما إذا كان المشروع الذي ربط لبنان لعقود بصراعات المنطقة قد بلغ حدوده السياسية.

فالدول تُبنى بالمؤسسات والسيادة والمصلحة الوطنية، لا بالارتهان للخارج أو انتظار الحلول من عواصم أخرى.

السابق
عن «جمول» ورجالها: رحيل مقاوم شجاع!