الامتحانات الرسمية أمام الامتحان

وزارة التربية

من حق الطلبة أن يحصلوا على التعلم المأجريتُ تصحيحًا لغويًا وترقيميًا للنص مع الحفاظ على الكلمات والعبارات والأفكار كما هي، وإضافة عناوين فرعية داخل المتن لتسهيل القراءة.

من حق الطلبة أن يحصلوا على التعلم المدرسي والجامعي في كافة المراحل والاختصاصات، وأن يجري منحهم الشهادات بناءً على أدائهم، وأن يحصلوا على الدعم الذي يوفر لهم تعويض ما فاتهم من تعلم نتيجة ظروف شخصية أو عامة. ومن واجب الدولة (الوزارة) أن تؤمن لهم التعليم والدعم والحصول على شهادات رسمية تسمح لهم بالمتابعة والحصول على منح مدرسية وجامعية استنادًا إلى علاماتهم. ومن واجبها أن تؤمن الجهوزية اللازمة للتعليم والتقييم في الظروف العادية والاستثنائية.

خسائر إلغاء الامتحانات

لذلك، فإن إلغاء الامتحانات الرسمية واستبدالها بإفادات هي محض خسائر للطلبة، وخسائر في الرأسمال الثقافي الوطني، وإقفال للفرص أمامهم لمتابعة التعليم الجامعي استنادًا إلى مؤهلاتهم الممهورة من قبل الوزارة. وأكثر المتضررين من هذا الإلغاء هم أبناء الفئات الاجتماعية الأكثر حرمانًا، التي تشكل نتائجهم المتميزة مفتاحًا لحراكهم الاجتماعي في المستقبل.

لقد قتلت إسرائيل من بيننا، حتى الأمس، 3,711 شهيدًا، وأصابت 11,483 ألف جريح، وكأننا نرد عليها مع إلغاء الامتحانات الثانوية الرسمية قائلين: ها نحن قضينا على الامتحانات الثانوية، وجردنا آلاف الطلاب من شهاداتهم الرسمية وسلاحهم المعرفي.

هذه زاوية نظر واحدة إلى الموضوع. لكن هناك زاويتان، أو مشكلتان، في منتهى الجدية.

معاناة الطلاب في مناطق الحرب

الأولى أن الأسر التي تعيش في مناطق الحرب، وتلك التي اضطرت إلى النزوح أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، عانت الكثير من المتاعب والهموم وعدم الاستقرار، ما خرّب حياتها الطبيعية وخرّب الحياة الدراسية لأبنائها الطلاب، وأضعف، بخاصة، جهوزية طلاب الصف الثاني عشر للتقدم للامتحانات الرسمية.

الثانية، وهي الأقسى والتي تقلق بال اللبنانيين، هي خطر الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، والتي قد تصيب الطلاب أثناء تنقلهم من وإلى مراكز الامتحانات أو داخل مراكز الامتحانات نفسها. ولن يأمن أحد جانب إسرائيل المجرمة إبان إجراء الامتحانات، ولا يمكن الحصول على ضمانات أمنية من أحد.

نحن هنا أمام قضية أخلاقية (ووطنية) كلاسيكية. هل نسير في الامتحانات رغم هاتين المشكلتين؟ أم نحلها عن طريق إلغاء الامتحانات؟

وفي كل مشكلة أو معضلة من هذا النوع ليس هناك حل مثالي، وإلا لما كانت المشكلة مطروحة. وفي هذا النوع من المسائل، تقضي الحكمة بأن يجري البحث عن البديل الأفضل أو الأقل سوءًا. وهذا ما فعلته وزيرة التربية والتعليم العالي.

مقاربة الوزارة والحل المرن

وقد قامت فكرتها على خمسة عناصر:

1. إجراء الامتحانات.

2. حصر المنهج بما تم تعليمه حتى 2 آذار 2026، تاريخ إطلاق الصواريخ الستة وبدء الحرب.

3. تقديم الدعم النفسي والتعليمي لمن يحتاج من الطلبة.

4. تصميم الامتحانات بقدر عالٍ من المرونة والبدائل، بما يعطي الطلاب خيارات واسعة، وبما يسمح بتغيير مكان الامتحان وموعد الامتحان استثنائيًا في حالات تعذر إجرائه في هذه المنطقة أو تلك، أو بالنسبة لكل طالب أو مجموعة من الطلاب على حدة.

5. اعتماد بطارية الأسئلة نفسها في جميع الدورات العادية والاستثنائية، حتى لا توصم أي مجموعة من الطلاب بأنها أدنى أو أعلى كعبًا من الأخرى.

وهذه التدابير تستعملها جميع الجامعات اليوم في لبنان في زمن الحرب، تكيفًا مع الأوضاع القائمة. ووفقًا لهذا المنطق يمكن تأجيل الامتحانات أو إلغاؤها جزئيًا في حال زادت المخاطر أو تعذرت المتابعة. هذا هو مبدأ المرونة مع الجهوزية للتكيف مع التطورات، مع الحفاظ على الامتحانات مهما حصل من تغيرات.

تسييس الملف واستهداف الوزيرة

لكن المجتمع السياسي العميق، الذي افترس الدولة سابقًا، والذي لم يقبل يومًا بقرارات الحكومة الحالية ولا بوزرائها، وجد الفرصة لطرح الموضوع نفسه كقضية سياسية. بنى، طبعًا، على هواجس الأهالي وصار ينفخ فيها، وتمكن في غضون بضعة أسابيع من تحويلها إلى قميص عثمان.

واستثمر هذا المجتمع ذكوريته ليشن حملة شعواء على السيدة الوزيرة، التي تتمتع بالشجاعة والصلابة والحكمة في الوقت نفسه. وهذه الصفات أذهلت بعض القوى السياسية فزاد غضبها، ووصل الأمر بها إلى وصمها بالقاتلة، هذا فضلًا عن وابل الشتائم التي جرى بثها عبر الذباب الإلكتروني، وحولت الكلام السلبي عن الوزيرة إلى “تراند” على وسائل الإعلام النظامية ووسائل التواصل الاجتماعي.

لجنة التربية النيابية والمواجهة السياسية

لم يرد معظم أعضاء لجنة التربية النيابية مؤخرًا الاستماع الجدي إلى حجج الوزيرة وبيّناتها. فالجلسة لم تكن بالنسبة لهم للتداول، بل لتحويل الأمر إلى معركة كسر عظم.

وفي المؤتمر الصحافي الذي عقدته إثر جلسة التربية النيابية، ظهر على الوزيرة أن الرسالة وصلتها، لكنها مرة أخرى ظلت محافظة على شجاعتها وعلى الحكمة في الإجابة على جميع أسئلة الصحافيين. وكررت خيارها القائم على خمسة عناصر، ومنها عنصر المرونة، وبالتالي انفتاحها على جميع الخيارات.

تطور الأمور في الأيام القادمة (وبخاصة قرار مجلس الوزراء بهذا الصدد عند “إعادة النظر في الموضوع”) محكوم بثلاثة أمور: تطور الحرب نفسها، وخروج الأصوات المؤيدة للامتحانات إلى العلن وبكثافة، وإيجاد بدائل إضافية في سير الامتحانات في حال لم تتراجع الحرب ولم تتصاعد.

التكيف اللبناني مع زمن الحرب

إن سكان المناطق المحاذية لمناطق الحرب، كما سائر المناطق في لبنان، يذهبون يوميًا إلى أعمالهم في القطاعين العام والخاص، رغم أن خطر تعرضهم لاعتداء إسرائيلي قائم في أي لحظة، فهذه هي ضريبة العيش في زمن الحرب. ولم تقفل المؤسسات الخاصة والعامة إلا في أحوال حصرية.

لقد اكتسب اللبنانيون قدرات هائلة على التكيف مع الأزمات خلال أكثر من خمسين سنة. وهذا ما يدعو إلى التكهن باستعداد الطلاب والمعلمين للمشاركة في الامتحانات، في ظل البدائل المتاحة.

.

السابق
مصطفى الفوعاني: حركة أمل لن تنسحب من الحكومة.. ونطمح لموقف لبناني موحد في مفاوضات واشنطن
التالي
الجيش الإسرائيلي ينذر 4 بلدات جنوبية إضافية بالإخلاء الفوري نحو شمال نهر الزهراني