حرب «الثأر للضاحية».. تحريك للمفاوضات أم استعادة ردع «وحدة الساحات»؟

الضاحية الجنوبية

جولة جديدة من الحرب اندلعت أمس في المنطقة بعد تنفيذ إيران، للمرة الأولى، تهديدها بالرد على إسرائيل في حال قصفت الضاحية الجنوبية لبيروت، في جولة يبدو أن لكل طرف فيها أهدافه غير المعلنة، على عادة الصراعات السياسية وترجمتها العسكرية.

نتنياهو بين الحرب والانتخابات

فالمعروف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لديه خططه المعلنة لمحاولة القضاء على حزب الله، إلا أن ضربة الضاحية بالأمس لم تكن مبرَّرة حتى بمعاييره هو غير المنطقية أصلاً، وهذا ما يشي بأن وراء الأكمة ما وراءها، الذي قد يكون محاولة لتعطيل أي اتفاق بين أميركا وإيران، يمكن أن يعرقل خططه على أبواب الاستحقاق الانتخابي في إسرائيل، وذلك بعد 3 سنوات من الحرب التي خاضها ضد المحور الإيراني في المنطقة بجميع أذرعه، والتي يرى أنه يستحق بسببها ولاية جديدة في الحكم ليكمل هذه المخططات.

ما وراء الرد الإيراني

وإذا كان مشروع نتنياهو وهدفه واضحين ومعلنين بعدوانيتهما في المنطقة كلها، بما يجعل الجولة الجديدة اليوم جزءاً من كل، بغض النظر عن أسبابها، فإن أهداف إيران من هذه الجولة لا يمكن أن تكون مجرد رد على ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت كما يعتقد بعض السذَّج والبسطاء من الناس، وكما يحاول تصويرها بعض الأصوات الإعلامية “المسيَّرة” من محور الممانعة، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي تُقصف فيها الضاحية، ناهيك عن الجنوب اللبناني، بل هي تتعرض للقصف منذ كانون الثاني عام 2024 عندما اغتالت إسرائيل صالح العاروري، وبعدها عملية “البيجرز” وتبعاتها من الحرب الشاملة بما حملته من اغتيالات وشبه إبادة لقيادة حزب الله في لبنان، من دون أن ترد إيران حتى بصاروخ واحد.

اليوم، وبعيداً عن أي موقف عقائدي أو سياسي مسبق من النظام الإيراني، ومن منطلق التحليل السياسي الموضوعي، نقول إنه قد يكون لإيران أهدافها الحقيقية من وراء هذا الرد على إسرائيل، وقد يكون “أقلها أهمية”، إذا صح التعبير، هو الدفاع عن ضاحية بيروت الجنوبية. فقصف الضاحية قد يكون الشرارة التي استغلتها إيران لإطلاق الجولة الجديدة من الحرب لا أكثر، وذلك لتحقيق عدة أهداف، وهي:

أولاً: تحريك جمود المفاوضات مع واشنطن

محاولة تحريك جمود المفاوضات بينها وبين أميركا، التي يبدو أنها توقفت عند عقدة الأموال المجمَّدة التي تطالب بها، وهو مطلب إيراني يبدو أن النظام بأمس الحاجة إليه سياسياً أكثر منه مادياً، بمعنى أن النظام يريد مكسباً ما أمام شعبه مقابل التضحيات التي قدمها في الحرب، خاصة إذا ما اضطر إلى التخلي – ولو مؤقتاً – عن برنامجه النووي الذي كان السبب الرئيسي للحرب، وهو ما يُعد هزيمة، ولو نسبية، للنظام.

اعادة ربط الساحات قد تمنح إيران حرية حركة أكبر وأوراقاً تفاوضية أقوى في مواجهة مطالب ترامب المذلة لها، كما قد تساعدها على كسب الوقت عبر الضغط العسكري

ثانياً: إحياء مفهوم “وحدة الساحات”

محاولة إعادة إحياء مفهوم “وحدة الساحات”، وهو هدف مرتبط، إن لم يكن من “عِدَّة الشغل”، في محاولة تحقيق الهدف الأول، وذلك بعد أن كان هذا الشعار قد خبا بالممارسة، بغياب الحوثي كلياً عن المشهد منذ اندلاع الحرب أوائل آذار الماضي، وكذلك انكفاء الفصائل العراقية وإعلان بعضها حل نفسها وتسليم سلاحها للدولة العراقية بناءً على طلب المرجعية الدينية في العراق، وبعد الربح بالنقاط الذي سجلته أميركا على إيران بمنع وصول نوري المالكي إلى سدة رئاسة الوزراء في بغداد.

فإعادة ربط الساحات – إذا ما نجحت – قد تمنح إيران حرية حركة أكبر وأوراقاً تفاوضية أقوى في مواجهة مطالب ترامب المذلة لها، كما قد تساعدها على كسب الوقت عبر الضغط العسكري، ولو الإلهائي، لمحاولة استغلال الأوضاع الداخلية الضاغطة في كل من إسرائيل وأميركا، سواء اقتصادياً أو انتخابياً، مما قد يعطي النظام بعض الأوكسجين للتنفس، وهي محاولات تمثِّل، على أية حال، هروباً إلى الأمام وليست مضمونة النتائج.

ثالثاً: الالتفاف على المسار اللبناني

محاولة الالتفاف – عبر الرد على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت – على المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، التي يُعتقد أنها حققت خرقاً، ولو نفسياً ومعنوياً، في جولتها الأخيرة في واشنطن، ما قد يُسرِّع فصل المسار اللبناني عن الإيراني، وهذا ما لا تريده إيران، خاصة بعد المواقف الأخيرة للرئيسين جوزيف عون ونواف سلام ضد الدور الإيراني في لبنان.

قد يكون التدخل الإيراني محاولة لمساندة المجهود الحربي للحزب، ما قد يسمح كذلك باستعادة بعض الشارع الشيعي الذي أبدى الكثير منه مؤخراً الامتعاض مما يعتبره لا مبالاة إيرانية تجاه لبنان والجنوبيين خاصة

رابعاً: دعم حزب الله واستعادة الردع

ويبدو ان هناك تراجعاً في قوة ردع حزب الله، بالرغم من البطولات الفردية التي يسطرها رجاله في الميدان، وهذا شيء طبيعي جداً نظراً للوضع الذي يعيشه منذ العام 2023 والضربات التي تلقاها، سواء عسكرياً أو أمنياً، والتي انعكست عليه بطبيعة الحال سياسياً في الداخل اللبناني.

من هنا، قد يكون التدخل الإيراني محاولة لمساندة المجهود الحربي للحزب، ما قد يسمح كذلك باستعادة بعض الشارع الشيعي الذي أبدى الكثير منه مؤخراً الامتعاض مما يعتبره لا مبالاة إيرانية تجاه لبنان والجنوبيين خاصة، وفي غياب الدعم العسكري لهم في الحرب التي يتحملون وزرها منذ ثلاث سنوات، والذي جعل بعض الأصوات الشيعية التي تُحسب عادة على بيئة الحزب ترفع الصوت مؤخراً – ولو من باب العتب اللطيف – للتساؤل عن الموقف الإيراني، بلغ عند البعض حد التندر على شعار “الصبر الاستراتيجي”.

لبنان بين الدولة و”لعبة الأمم”

هذه هي بعض الأهداف الإيرانية التي قد تكون وراء هذه الجولة الجديدة من الحرب، والتي، باعتقادي، لن تطول إلا إذا حصل خطأ ما لم يكن بالحسبان، وهي أهداف تصب كلها في محاولة تحقيق أكبر قدر من المصالح للنظام الإيراني، وهذا حقه في النهاية.

ولكن ما ليس من حقه هو التلاعب بدماء ومستقبل الآخرين وأخذ بلدانهم رهائن لديه عبر بعض أذرعه التي زرعها في مجتمعات هذه الدول، والتي تتحمل اليوم مسؤولية كبرى، خاصة في لبنان المتضرر الأكبر من الحرب، وبالأخص الطائفة الشيعية، في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من البلد والأرض والطائفة، وذلك عبر الاصطفاف وراء الدولة وإعلان الاستعداد لتسليم السلاح مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب اللبناني، ليكون عوناً للدولة في مفاوضاتها مع عدو شرس ولئيم ومجرم.

وليكن لنا أسوة بما يحصل في العراق من حل للفصائل وتسليم سلاحها للدولة، فهل من “مقتدى الصدر” لبناني يجرؤ على اتخاذ هذا القرار وتنفيذه رحمة بالبلاد والعباد، وإخراجهم من “لعبة الأمم” التي تطحنهم منذ حوالي نصف قرن؟

السابق
جنبلاط من الدوحة: إشادة بالدور القطري ودعوة لمواصلة التهدئة الإقليمية