في ظل التدهور الاقتصادي المتسارع الذي يضرب إيران، تكشف تقارير صادرة حتى عن وسائل إعلام حكومية مشاهد صادمة لم تكن مألوفة حتى في أشد مراحل الأزمات السابقة. فشراء الخبز بالدين، وتقاسم المواد الغذائية الأساسية بين طلاب الجامعات، وعجز الموظفين عن تأمين احتياجات أسرهم حتى منتصف الشهر، لم تعد حوادث فردية، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية واسعة تعكس عمق الانهيار المعيشي الذي يعيشه ملايين الإيرانيين.
وقال السيد علي رضا صداقت، الخبير الاقتصادي والمعارض للنظام الإيراني، في هذا الصدد: «إن أخطر ما يجري اليوم في إيران ليس ارتفاع الأسعار بحد ذاته، بل انهيار الكرامة الاقتصادية للمواطن. فعندما يضطر موظف أو معلم أو متقاعد إلى شراء الخبز بالدين أو طلب نصف رغيف لأنه لا يملك ثمن الرغيف الكامل، فإننا أمام انهيار اجتماعي يتجاوز بكثير الأرقام والمؤشرات الاقتصادية التقليدية».
وأكد صداقت أن «الطبقة الوسطى، التي كانت تشكل تاريخياً العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، تتعرض اليوم لعملية تآكل ممنهجة. فالمهندسون، والمعلمون، والموظفون، وأصحاب المهن المتخصصة يجدون أنفسهم عاجزين عن تأمين أبسط متطلبات الحياة، بينما تتسع رقعة الفقر لتشمل شرائح كانت حتى سنوات قليلة مضت بعيدة عن الحاجة والعوز».
وأضاف: «المشكلة لا تكمن في الحرب أو العقوبات وحدها كما يحاول النظام الترويج، بل في عقود من سوء الإدارة والفساد المنظم وهيمنة المؤسسات الأمنية والعسكرية على الاقتصاد. لقد جرى استنزاف الموارد الوطنية في مشاريع القمع والتوسع الخارجي، بينما تُرك المواطن الإيراني وحيداً في مواجهة التضخم والانهيار المعيشي».
وأوضح صداقت أن «انتشار دفاتر الديون في المخابز ومحلات البقالة، وارتفاع سرقة المواد الغذائية الأساسية، وتآكل القدرة الشرائية للأسر حتى بات راتبان داخل الأسرة الواحدة لا يكفيان لتغطية نفقات شهر كامل، كلها مؤشرات على أن الاقتصاد دخل مرحلة الخطر الاجتماعي وليس الاقتصادي فقط».
وأشار إلى أن «السلطات تحاول معالجة الأزمة عبر مساعدات محدودة وبرامج دعم مؤقتة، لكنها تتجاهل جذور المشكلة الحقيقية. فالأزمة الحالية ليست أزمة سيولة أو أسعار فحسب، بل أزمة بنيوية ناتجة عن نموذج اقتصادي قائم على الاحتكار والفساد وتبديد الثروات الوطنية».
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار أيضاً إلى التظاهرة الإيرانية الكبرى المرتقبة في باريس يوم 20 يونيو 2026، بمشاركة نحو «100 ألف إيراني» ومناصر للحرية، في رسالة تؤكد أن معاناة الإيرانيين الاقتصادية لم تعد قضية معيشية فقط، بل أصبحت جزءاً من مطالبة أوسع بالحرية والعدالة والمحاسبة السياسية.
وختم علي رضا صداقت تصريحه بالتأكيد على أن «المجتمع الذي يُحرم من الخبز والكرامة في آن واحد لا يمكن أن يبقى صامتاً إلى الأبد. وما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل مقدمات تحوّل اجتماعي وسياسي كبير، لأن الجوع عندما يضرب الطبقة الوسطى يصبح عاملاً مباشراً في صناعة التغيير».

