لم تكن الضاحية الجنوبية لبيروت تحتاج إلى كثير من الوقت لتستعيد ذاكرة الحرب. ساعات قليلة فصلت بين الحديث عن مسار تفاوضي جديد في واشنطن وبين عودة مشهد النزوح الجماعي والهلع الشعبي إلى شوارع العاصمة وضواحيها. فمع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس إصدار أوامر باستهداف الضاحية الجنوبية، عاد اللبنانيون إلى الدوامة نفسها: إنذارات، نزوح، ترقب، ثم غارات قد تعيد رسم خرائط الدمار من جديد.
وفيما يتقدم الجيش الإسرائيلي ميدانياً في الجنوب، ويواصل “حزب الله” إطلاق الصواريخ نحو مواقع إسرائيلية، تبدو البلاد عالقة بين حرب مفتوحة لم تنتهِ بعد ومسار تفاوضي لم يبدأ فعلياً بعد.
الضاحية تدفع ثمن الحرب مجدداً
بمجرد صدور التهديد الإسرائيلي، شهدت الضاحية الجنوبية حركة نزوح كثيفة واختناقات مرورية خانقة، فيما سارعت مدارس عدة في بيروت إلى إبلاغ الأهالي بضرورة اصطحاب أولادهم تحسباً لأي تطورات أمنية.
المشهد لم يكن جديداً على السكان الذين عادوا قبل أسابيع قليلة إلى منازلهم بعد وقف إطلاق النار. غير أن العودة السريعة إلى حقائب النزوح أعادت طرح السؤال نفسه: إلى متى سيبقى المدنيون يدفعون ثمن حرب تتجاوز حدود لبنان وتتداخل فيها الحسابات الإقليمية والدولية؟
فالضاحية، كما الجنوب والبقاع، أصبحت مجدداً جزءاً من معادلة الردع المتبادل التي تحاول إسرائيل فرضها، عبر ربط أمن الشمال الإسرائيلي بأمن بيروت. وهو ما عبّر عنه كاتس بوضوح حين قال إن “حكم الضاحية كحكم بلدات الشمال”، في رسالة تؤكد أن أي تصعيد من جانب “حزب الله” سيقابله استهداف مباشر للبيئة الحاضنة له.
واشنطن تبحث عن هدنة جديدة
التصعيد جاء عشية جولة مفاوضات سياسية جديدة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، ما دفع كثيرين إلى اعتبار الخطوة الإسرائيلية محاولة لتحسين شروط التفاوض من موقع القوة العسكرية.
وفي هذا السياق، برزت المعلومات التي تحدثت عن اتصالات أجراها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع كل من الرئيس اللبناني جوزاف عون ونتنياهو خلال الساعات الماضية. وتقوم المبادرة الأميركية على وقف كامل لهجمات “حزب الله” مقابل امتناع إسرائيل عن توسيع عملياتها العسكرية، خصوصاً في بيروت.
غير أن فرص نجاح هذه المبادرة لا تزال محدودة في ظل التباعد الكبير بين الأطراف اللبنانية نفسها. فبينما يتمسك رئيس الجمهورية بخيار التفاوض باعتباره الطريق الأقل كلفة لوقف الحرب، لا يزال الثنائي الشيعي يتعامل بحذر مع أي مسار سياسي لا يتضمن وقفاً فورياً للاعتداءات الإسرائيلية وانسحاباً واضحاً من الأراضي اللبنانية.
عون: التفاوض ليس استسلاماً
في خضم هذا الانقسام، يواصل الرئيس جوزاف عون الدفاع عن خيار التفاوض، مؤكداً أن لبنان لم يعد يملك ترف البدائل. فالرجل الذي وصل إلى الرئاسة على وقع الانهيارات المتراكمة، يدرك أن استمرار الحرب سيقود إلى مزيد من الاستنزاف للدولة والاقتصاد والمجتمع.
لذلك حرص على التأكيد أن التفاوض لا يعني الاستسلام أو التنازل، بل يشكل محاولة لحماية لبنان وتقليص الخسائر. وهو موقف يحظى بدعم قوى سياسية عدة، أبرزها “القوات اللبنانية”، التي أعلنت تأييدها الكامل للمسار التفاوضي باعتباره السبيل الواقعي لإنهاء معاناة اللبنانيين.
إيران تدخل على خط التحذير
في المقابل، حملت المواقف الإيرانية تصعيداً سياسياً لافتاً. فوزير الخارجية عباس عراقجي اعتبر أن أي خرق لوقف إطلاق النار في لبنان يمثل خرقاً للتفاهمات الأوسع في المنطقة، فيما ذهبت القوات المسلحة الإيرانية أبعد من ذلك بتحذيرها من أن استمرار “الجرائم الإسرائيلية” في لبنان قد يصبح أمراً لا يمكن لطهران تحمله.
هذه الرسائل تعكس بوضوح أن الجبهة اللبنانية لم تعد ملفاً لبنانياً صرفاً، بل باتت جزءاً من شبكة توازنات إقليمية ترتبط بالعلاقة الأميركية – الإيرانية وبالصراع الأوسع في الشرق الأوسط.
جنوباً… وقائع جديدة على الأرض
أما ميدانياً، فتبدو إسرائيل مصممة على استثمار تفوقها العسكري لفرض وقائع جديدة في الجنوب. فالتقارير الإسرائيلية تتحدث عن توسيع نطاق العمليات البرية داخل عشرات البلدات والقرى، وعن إنشاء ما تسميه “منظومة أمنية استراتيجية” داخل الأراضي اللبنانية.
في المقابل، يؤكد “حزب الله” أنه يخوض معركة استنزاف ضد القوات الإسرائيلية، لا سيما في محيط قلعة الشقيف ويُحاول منع تثبيت أي وجود عسكري دائم للجيش الإسرائيلي في المنطقة التي احتلها اول امس.
وبين رواية إسرائيل عن تقدم ميداني متواصل، ورواية الحزب عن مقاومة تستنزف القوات المتوغلة، يبقى الثابت الوحيد أن لبنان يدخل مرحلة أكثر حساسية وخطورة. فالمفاوضات تنطلق غداً في واشنطن، لكن أصوات المدافع والطائرات تبدو حتى الآن أعلى من أصوات الدبلوماسية، فيما يقف اللبنانيون مجدداً بين خيارين أحلاهما مرّ: استمرار الحرب أو انتظار تسوية لم تنضج شروطها بعد.

