«الشقيف» سقطت… فهل يسقط جبل عامل؟

غرز الإسرائيلي علمه في قلوبنا قبل أن يغرسه على تخوم القلعة، وسقطت قلعة الشقيف…

أنرثي جبل عامل أم نرثي أنفسنا في مصاب جبل عامل؟ سؤال يفرض نفسه كلما مررنا على صفحات هذا التاريخ المثقل بالجراح.

فليست الشقيف مجرد حجارة تراكمت فوق تلّ يشرف على الجنوب، وليست مجرد معركة أو حادثة تُضاف إلى سجل الحروب.

الشقيف شاهد على أرض عرفت الغزاة كما عرفت المقاومين، وعرفت الانكسارات كما عرفت النهوض من تحت الركام.

دمّروا الجغرافيا، ويعيثون اليوم تزويرًا في التاريخ، وكأن الذاكرة يمكن أن تُمحى بقرار أو تُستبدل برواية عابرة.

جبل عامل لم يكن يومًا مجرد جغرافيا، بل كان هوية شعب كاملة. هو الأرض التي أنجبت العلماء والمفكرين والأدباء والمصلحين، من محسن الأمين إلى محمد حسين فضل الله، ومن محمد مهدي شمس الدين إلى هاني فحص وحسين مروة وغيرهم ممن تركوا أثرهم في الفكر والثقافة والحياة العامة.

وهو النساء اللواتي عجَنَّ أرضه بعرقهن في مواسم قطاف الزيتون وجني التبغ.

جبل عامل لم يكن يومًا حكاية طائفة، بل حكاية ناس تشبثوا بأرضهم وكتبوا حضورهم في تاريخ هذه البلاد رغم الفقر والحرمان والحروب المتلاحقة.

من قراه خرج الفلاح الذي حمى أرضه، والمعلم الذي حمل المعرفة، والمهاجر الذي حمل اسم الجنوب إلى أصقاع الأرض، والمثقف الذي جعل من الكلمة فعل مقاومة وحفظًا للهوية.

بين حجارة الشقيف المهدمة وحقول جبل عامل الممتدة، تبقى حكاية جبل عامل أكبر من هزيمة وأبقى من سقوط.

تبقى الهزائم لحظات في الزمن، أما الشعوب فتبقى بما تختزنه من ذاكرة وما تملكه من قدرة على الاستمرار.

حين ننظر إلى الشقيف اليوم، لا نرى فقط قلعة سقطت، بل نرى تاريخًا يرفض أن يُختصر براية رُفعت يومًا أو بحجارة تهدمت.

نرى جبل عامل كما كان دائمًا: اسمًا أكبر من الجرح، وأبقى من الهزيمة، وأوسع من كل محاولات النسيان.

السابق
النداء بعد الدعاء.. متى الإداء؟
التالي
الجيش يفكك قنبلتَي طيران في صور… وتحذير للمواطنين