على وقع العمليات العسكرية المستمرة والضربات الإسرائيلية المتواصلة على مناطق جنوب لبنان منذ الثاني من مارس الماضي، تواجه عشرات القرى والبلدات الحدودية خطر الزوال الكامل عن الخارطة.
وأكدت شهادات حية للسكان المتضررين، حسب تقرير لوكالة فرانس برس إلى جانب تقارير رسمية وصور حديثة ملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية، حجم الدمار الشامل الذي لحق بنطاق جغرافي واسع، وسط اتهامات رسمية للاحتلال بانتهاج استراتيجية “إبادة عمرانية” تهدف إلى تهجير السكان واقتلاعهم من قراهم ومحو هويتهم البصرية والاجتماعية.
“الحرب أخذت كل شيء”.. مرارة النزوح وضياع الجنى
تختصر شهادات الأهالي المأساة الإنسانية الناتجة عن ركام المنازل؛ إذ تروي فرح (33 عاماً)، وهي أم لطلفتين نزحت من بلدة “يارون” الحدودية إلى العاصمة بيروت، كيف تبددت حياتهم قائلة: «تدمر كل شيء، ولم يتبقَ لنا سوى الذكريات والصور القديمة التي نحاول جمعها مع الجيران لكي لا تخوننا الذاكرة، ولنتمكن يوماً ما من إخبار أطفالنا كيف كانت بلدتنا الجميلة».
وعلمت فرح بنبأ تدمير بيتها العائلي قبل أسبوعين فقط بعد تداول صور ملتقطة من الفضاء، معبرة بمرارة عن أن الحرب سلبت منهم الطفولة والمنزل والذكريات معاً.

وأمام المنع الإسرائيلي المستمر للأهالي من العودة أو الاقتراب من القرى الأمامية، لجأ العديد من النازحين إلى خطوة مبتكرة تتجلى في التشارك مالياً لشراء صور حصرية وعالية الدقة من الشركات المشغلة للأقمار الاصطناعية (بكلفة 140 دولاراً للصورة الواحدة) لتقفي أثر بيوتهم المفقودة. وامتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع وصور تقارن بين الأحياء قبل الحرب وبعدها؛ حيث تحسر ناشط سياسي مناهض لحزب الله على دمار منزل جده المؤلف من ثلاثة طوابق في مدينة النبطية، بينما نعى كاتب مخضرم مكتبته التاريخية التي أُرغم على تركها خلفه في مدينة بنت جبيل، وتداول آخرون بأسى شديد تسجيلات تظهر جامع بنت جبيل الأثري وقد تحول بالكامل إلى ركام.
يارون وبنت جبيل.. شواهد على جغرافيا الرماد
تُظهر المقارنات الفضائية والتحليلات الفنية حجم التصعيد المتزايد؛ ففي بلدة يارون (التي تبعد أقل من كيلومتر واحد عن الحدود)، كان قصف الطرفين في جولة عامي 2023 و2024 قد أدى إلى تدمير 580 منزلاً من أصل 800. لتأتي الموجة الحالية وتأتي على ما تبقى من البلدة بشكل شبه كامل. وتوضح الصور متوسطة الدقة المأخوذة مطلع الشهر الجاري مسحاً كاملاً للأحياء، بما في ذلك كنيسة القديس جاورجيوس التاريخية التي لم يصمد منها سوى ثلاثة جدران متداعية.
وعلى بعد 6 كيلومترات شمالاً، واجهت مدينة بنت جبيل المصير ذاته؛ فبينما لم تكن معالم الدمار الشامل واضحة للعيان في مطلع أبريل الماضي، أظهرت مسوح شهر مايو دماراً شبه كلي للمدينة قريباً من الحدود، بما في ذلك ملعبها الشهير الذي شهد إلقاء الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله “خطاب التحرير” في 26 مايو عام 2000 غداة الانسحاب الإسرائيلي آنذاك.
“إبادة عمرانية” خلال أسابيع الهدنة
وفي مقر المجلس الوطني للبحوث العلمية ببيروت (مؤسسة حكومية)، كشف الأمين العام للمجلس الدكتور شادي عبدالله عبر شاشات عرض عملاقة تفاصيل الصدمة، مؤكداً أن معظم الأبنية في بنت جبيل تهدمت تماماً.
وفجّر عبدالله مفاجأة بالإشارة إلى أن “معظم عمليات التفجير، والتلغيم، والنسف الممنهج في المدينة وعدة بلدات أخرى قد تم تنفيذها خلال فترة الهدنة الحالية”.

وأضاف عبدالله أن هذه المعطيات تعزز القناعة بأن القوات الإسرائيلية لا تقوم بمجرد عمليات عسكرية أو تمشيط ميداني، بل تتبع تخطيطاً مدروساً لتدمير الأرض والبشر والحجر، مستخدمة قذائف فوسفورية وعنقودية محرمة دولياً تسببت في إحراق مساحات زراعية هائلة. واستخدم المجلس رسمياً مصطلح “الإبادة العمرانية” (Urbicide) لتوصيف هذه الجريمة، معتبراً إياها استراتيجية عسكرية لمحو الهوية الوطنية واقتلاع السكان الأصليين جغرافياً ونفسياً لمنعهم من التفكير في العودة مستقبلاً.
فاتورة الدمار وحصيلة الضحايا بالأرقام
وفقاً للمسح الميداني والإحصاءات الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية والجهات الرسمية اللبنانية، تلخصت أرقام الخسائر على الشكل التالي:
- إجمالي الوحدات المتضررة:
تضرر ودُمر أكثر من 290 ألف وحدة سكنية منذ بدء المواجهات في جنوب لبنان عام 2023. - الحرب الأخيرة والهدنة:
نالت الحرب الأخيرة وحدها حصة تدمير بلغت 61 ألف وحدة سكنية (منها ما يتجاوز 50 ألف وحدة أحصتها وكالة فرانس برس بالتنسيق مع السلطات). - خروقات فترة الهدنة:
تم رصد تدمير 6 آلاف وحدة سكنية كلياً جراء عمليات النسف والتفجير الإسرائيلية خلال أسابيع الهدنة فقط، إلى جانب تضرر 6 آلاف مبنى آخر بشكل جزئي مهدد بالانهيار والهدم. - الخسائر البشرية:
أعلنت السلطات اللبنانية الرسمية عن سقوط أكثر من 3 آلاف قتيل جراء الغارات والقصف الإسرائيلي الذي طال مختلف المناطق اللبنانية.
المفاوضات السياسية والواقع الميداني المأزوم
تأتي هذه التطورات الميدانية الكارثية في وقت يخوض فيه لبنان وإسرائيل (اللذان يعيشان حالة حرب رسمية منذ عام 1948) محادثات ومفاوضات مباشرة في العاصمة الأميركية واشنطن منذ الشهر الماضي، وهي اللقاءات الأولى من نوعها منذ عقود سعيًا للتوصل إلى اتفاق لوقف نهائي وشامل للحرب.

ورغم إعلان الهدنة الأصلية في 17 أبريل الماضي، ودخول قرار تمديدها لـ 45 يوماً إضافياً حيز التنفيذ يوم الاثنين الماضي، يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات القصف الجوي والمدفعي بدعوى استهداف عناصر ومقار “حزب الله”، بالتوازي مع استمرار عمليات التفجير الممنهجة للمنازل في القرى الحدودية التي تحتلها قواته. ويترافق هذا التصعيد مع إصدار أوامر وإنذارات إخلاء يومية وقسرية بحق الأهالي، والتي توسعت جغرافياً بشكل لافت لتشمل بلدات ومناطق بعيدة عن الخط الأزرق، مكتظة بالسكّان الأساسيين والنازحين الوافدين من مناطق المواجهة الأولى.


