عقوبات بمحاذاة برّي..ودم الجنوب يضغط على مفاوضات بيروت

العقوبات على لبنان

في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، بدا واضحاً أنّ العقوبات الأميركية الأخيرة لم تكن إجراءً مالياً عادياً، بل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات، تتجاوز الأشخاص المستهدفين إلى البيئة السياسية والأمنية الحاضنة لـ«حزب الله» وحركة «أمل». فإدراج شخصيات مقرّبة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، وفي مقدمها المسؤول في حركة «أمل» أحمد بعلبكي، حمل دلالات استثنائية، خصوصاً أن الرجل يُعتبر من الدائرة الضيقة المحيطة ببرّي وصاحب نفوذ تنظيمي واسع داخل الحركة.

مصادر سياسية مطلعة رأت أن العقوبات تمثل رسالة أميركية مباشرة إلى برّي، أكثر منها استهدافاً فردياً لشخصيات محددة. وبحسب هذه القراءة، فإن واشنطن تحاول الضغط على الثنائي الشيعي في لحظة ترتبط بمسار التفاوض الإقليمي واللبناني، وخصوصاً في ظل النقاش الدائر حول مستقبل سلاح «حزب الله» وترتيبات الجنوب.

واشنطن تغيّر قواعد الاشتباك السياسي

اذن،العقوبات الأميركية لم تقتصر على نواب وشخصيات مرتبطة بـ«حزب الله»، بل طالت أيضاً مسؤولين في حركة «أمل» وشخصيات أمنية رسمية، في سابقة تعكس توجهاً أميركياً نحو توسيع دائرة الضغط داخل مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها.

وزارة الخزانة الأميركية تحدثت بوضوح عن “عرقلة عملية السلام” و”إعاقة نزع سلاح حزب الله”، معتبرة أن المستهدفين يشكلون جزءاً من شبكة نفوذ متداخلة داخل البرلمان والمؤسسات الأمنية والعسكرية. وهذا يعني أن واشنطن لم تعد تنظر إلى المسألة باعتبارها مرتبطة فقط بجناح عسكري خارج الدولة، بل ببنية سياسية وأمنية كاملة تتيح للحزب الحفاظ على نفوذه.

وفي هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى أحمد بعلبكي أهمية خاصة، إذ تصفه أوساط سياسية بأنه “وفيق صفا حركة أمل”، في دلالة على دوره التنظيمي والأمني الحساس داخل الحركة، ما يجعل العقوبات بمثابة اقتراب مباشر من خط نبيه برّي الأحمر.

مجلس الوزراء بين العفو والعقوبات

بالتوازي مع هذا التصعيد الأميركي، انعقد مجلس الوزراء في قصر بعبدا وسط مناخ سياسي مشحون، حيث حضرت ملفات العقوبات الأميركية وقانون العفو العام والتطورات الأمنية على طاولة النقاش.

رئيس الحكومة نواف سلام عرض نتائج زيارته إلى سوريا ولقائه بالرئيس أحمد الشرع، فيما شدد وزير الداخلية أحمد الحجار على أن أي قانون عفو يجب أن يراعي العدالة ورفع المظلومية، مؤكداً في الوقت نفسه رفض أي تحرك خارج إطار القانون.

الأكثر دلالة كان إعلان الحجار طلبه من الأمن العام التحقيق في أي مخالفات مرتبطة بالعقوبات الأميركية، في إشارة إلى محاولة الدولة اللبنانية التعامل بحذر مع الضغوط الخارجية وتداعياتها الداخلية.

الجنوب تحت النار… واستهداف المسعفين يتكرر

ميدانياً، واصل الجيش الإسرائيلي تصعيده العنيف في جنوب لبنان، لكن التطور الأخطر تمثل هذه المرة في الاستهداف المباشر للأطقم الطبية والإغاثية. فالغارة التي طالت مسعفي «جمعية كشافة الرسالة الإسلامية» أثناء محاولتهم إنقاذ مصاب في منطقة برج رحال، عكست نمطاً متكرراً من الضربات المزدوجة التي تستهدف فرق الإسعاف بعد وصولها إلى موقع القصف.

كما شكلت الغارة على مركز لـ«الهيئة الصحية الإسلامية» في بلدة حناويه، والتي أدت إلى سقوط قتلى وجرحى من المسعفين، تصعيداً إضافياً في طبيعة الأهداف الإسرائيلية، بالتوازي مع استمرار الغارات على النبطية وقانا والخيام ومحيط صور.

ويشير هذا التصعيد إلى أن إسرائيل تواصل سياسة الضغط العسكري الواسع، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة بالتزامن مع الحراك السياسي والدبلوماسي القائم حول مستقبل الجنوب والحدود.

لبنان بين ضغط العقوبات والنار المفتوحة

ما يجري اليوم يضع لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد: ضغط أميركي سياسي ومالي متصاعد على البيئة الحاضنة لـ«حزب الله»، مقابل تصعيد إسرائيلي ميداني لا يبدو أنه يتجه نحو التهدئة القريبة.

وفيما تحاول الدولة اللبنانية الإمساك بخيط التوازن بين التفاوض والاحتواء الداخلي، تبدو الرسائل الخارجية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: المرحلة المقبلة لن تكتفي بإدارة الاشتباك، بل تتجه نحو إعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في لبنان، تحت سقف ضغوط متزايدة وحسابات إقليمية مفتوحة.

السابق
روبيو: باكستان تقود الوساطة مع إيران… وخطط دولية بديلة لفتح هرمز بالقوة!
التالي
إسلام آباد تتحرك على خط النار: قائد الجيش الباكستاني إلى طهران لإنقاذ مفاوضات