لا شك أن الحرب الأخيرة، التي أشعلها حزب الله لإسناد طهران وثأرًا للمرشد علي خامنئي، كانت الشرارة التي أرادتها إسرائيل للقيام بعدوانها على لبنان، لاستكمال مسلسل الدمار والقتل فيه، وتجفيف منابع تمويل حزب الله، إضافة إلى ضربه وإبعاده عن حدودها الشمالية.
أهداف إسرائيل من الحرب
أولاً: إظهار ضعف الدولة اللبنانية
أثبتت إسرائيل للعالم أن السلطة اللبنانية ضعيفة أمام حزب الله، وغير قادرة على تنفيذ قرار حصرية السلاح، لا في منطقة جنوب الليطاني ولا في شماله. وقد ظهر ذلك جليًا نتيجة الكشف عن كميات ضخمة من السلاح، والأعداد الكبيرة من الأنفاق التي كان قد أعدّها حزب الله، من دون أن يتعاون مع قيادة الجيش أو يسلّمها الخرائط العائدة لها. وهذا ما جعل قيادة الجيش والدولة اللبنانية في موقف ضعيف وعارية أمام الرأي العام العربي والدولي.
ثانياً: إقامة حزام أمني جديد
يأتي تدخلها أيضًا لإقامة حزام أمني خالٍ من السكان، على مسافة تُقدَّر فعليًا بين ثماني كيلومترات، وتصل في بعض المناطق إلى أكثر من عشرة كيلومترات، وهي مساحة تزيد عن الحزام الأمني السابق الذي أقامته في العام 1978 واستمر حتى تاريخ انسحابها في العام 2000، حين احتفل حزب الله بانتصاره بدحر قوات الاحتلال، وفي ذلك مجافاة للحقيقة، لأن الانسحاب أتى بناءً على شبه اتفاق بين إسرائيل والحزب رعته وأدارت الاتصالات فيه الدولة الألمانية، عدا عن وعود إيهود باراك، رئيس حكومة إسرائيل في ذلك التاريخ، بالانسحاب إذا فاز بالانتخابات البرلمانية التي جرت قبل الانسحاب بفترة قصيرة.
واليوم تقوم إسرائيل بتنفيذ حزامها الأمني الخالي من البشر، بعد أن هجّرت أهله ودمّرت الحجر، وأسمته «الخط الأصفر»، كما فعلت في قطاع غزة الفلسطيني.
ثالثاً: إبعاد الصواريخ عن الحدود الشمالية
تُبعد إسرائيل عن حدودها الشمالية الصواريخ المضادة للآليات، والتي تبلغ مسافتها، في أقصى مدى لها، عشرة كيلومترات، فتوفّر الأمان والحماية لمستوطناتها على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة مع لبنان.
نتائج الحرب: التوسع الإسرائيلي في الجنوب
لا شك أن إسرائيل استطاعت تنفيذ مشروعها الذي وضعته شعارًا لها منذ بداية هذا العدوان، بل بدأت تتوسع أكثر، حيث وصلت بالأمس إلى الضفة الشمالية لنهر الليطاني في منطقة زوطر الشرقية، وبذلك أصبحت على بُعد خمس كيلومترات فقط من مدينة النبطية، عاصمة المحافظة وحاضرة المنطقة الشرقية الشمالية من الجنوب اللبناني.
وبذلك تكون قد بدأت دخول مناطق أوسع مما كانت تنتظره، لأن حزب الله قد هُزم عسكريًا بعد مقتل معظم قادته، وهو الآن يفتقر إلى المقاتلين، بل يُرسل إلى القتال من هم بعمر الأطفال، بين سن الخامسة عشرة والعشرين عامًا، أي إنه يدفع بشبابه وأطفاله إلى الانتحار، عدا عن وجود مقاتلين من اليمن والعراق، وكذلك من الحرس الثوري الإيراني.
وقد نُشر بالأمس خبر عن مقتل أربعين حوثيًا يمنيًا سيُدفنون في لبنان حاليًا، هذا عدا عن عشرات من عناصر الحرس الثوري الإيراني وغيرهم من الجنسيات الأخرى.
اتساع رقعة الاحتلال والدمار
إذًا، بدأت تتعالى أصوات المواطنين بعدما بدأت تتجلى نتائج الحرب وما صدر عنها من احتلال. فكنا قبل الثاني من آذار أمام خمس نقاط محتلة، فأصبحنا أمام احتلال فعلي لما يزيد على ستين قرية ومدينة، إضافة إلى منطقة محاذية لها تضم عشرات القرى والبلدات.
ولا تزال آلة الدمار مستمرة، ويزداد الخراب يوميًا، فيما جماعة حزب الله يعيشون في غياهب الكذب والنفاق، محاولين إغفال الحقيقة وادعاء النصر.
وهنا لا أحد يعلم عن أي نصر يتحدثون، بعدما أصبح الجنوب اللبناني، بمعظمه، محتلًا، والباقي مدمّرًا، وأهله مهجّرين ونازحين، ولا أحد يعلم متى أو كيف سيعودون.
وحينها سيتم كشف زيف ادعاءات النصر، وأكذوبة الميدان، وكم هي باهتة ادعاءات صليات الصواريخ والمسيّرات التي بدأ الإعلام العبري يتحدث عنها، والتي يُخشى أن تكون حلقة جهنمية تُعدّها المخابرات الإسرائيلية، وقد تكون على شاكلة عملية تفجير «البيجرز» وأجهزة الاتصالات، التي حدثت في خريف العام 2024، قبل أيام من الحرب التي أطاحت بقيادة حزب الله العسكرية والسياسية، واستطاعت إسقاط الحزب وساهمت في إنهائه.
ترقب لمفاوضات واشنطن
لكل ذلك، يتطلع اللبنانيون عامة، والجنوبيون خاصة، إلى مفاوضات واشنطن يومي الخميس والجمعة القادمين، في الرابع عشر والخامس عشر من الشهر الحالي، على أمل أن تحمل الأخبار الآتية من بعيد قرارًا بوقف إطلاق النار وانتهاء هذا الكابوس المؤلم، فيتنفسون الصعداء على أمل العودة إلى ديارهم، رغم الدمار الذي أصابها.

