في تلك المسافة الفاصلة بين رائحة ” المستكة” وعبير ماء الزهر، تولد حكاية لا تشبه سائر الحكايات؛ حكاية يسكنها الدقيق والسميد، ويحرص على صونها وجدان شعب أبيّ، جعل من “المعمول” أكثر من مجرد حلوى تزين الموائد، بل صاغه أيقونة اجتماعية عابرة للطوائف، وجسراً يربط بين الأرض والسماء، وبين الأمس واليوم.
إذا ما غصنا في لُجّة التاريخ، نجد أن هذا القرص المستدير سليل حضارات سحيقة؛ فقد عرفت الشعوب القديمة في مصر وبلاد ما بين النهرين صناعة هذه الأقراص، فمنذ أكثر من خمسة آلاف عام، كان المصريون القدماء يقدمون “الكحك” قرباناً للإله “رع”، وصاغوه على هيئة قرص الشمس بلونه الذهبي واستدارته الكاملة. لم يكن مجرد عجين، بل كان لغةً بصرية تُنحت على سطحه رموز الخصوبة والنماء؛ فكانت سنبلة القمح تُرسم بدقة لتشهد على عطاء الأرض، وزهرة عباد الشمس تتوسط القرص لتعكس النور الأبدية. ومن تلك الجذور انتقلت هذه الثقافة الجمالية لتبلغ ذروتها في العهد الفاطمي الذي جعل من “دار الفطرة” مؤسسة رسمية لنشر البهجة، تُنحت على أقراصها عبارات “كُل واشكر”. ومن هذا الإرث الحضاري العريق، انتقل المعمول إلى لبنان، لكنه في قلب الجنوب النابض وتحديداً في النبطية، اكتسب هوية مغايرة؛ هوية عُمّدت بالعيش المشترك وصُقلت بأيدي مربيات فاضلات لم يغرسن العلم في العقول فحسب، بل غرسن المحبة في القلوب كقيمة فلسفية عليا تتجاوز الزمن.
ذاكرة “حي الميدان”:
حين تستحضر الذاكرة تلك الحقب، وتحديداً السبعينيات من القرن الماضي، نعود إلى تلك الحقبة الذهبية التي كانت فيها مدينة النبطية واحة من الأناقة الروحية والاجتماعية. لم يكن “حي الميدان” الذي يضم في عمقه “حارة المسيحية” مجرد زقاق تراثي هادئ، بل كان قلب المدينة الذي يضخ قيماً تتجاوز حدود المذاهب والطوائف والملل. هناك، في مدرسة النبطية الجديدة للبنات الرسمية والتي اشتهرت بمدرسة ليلى نصار، تشكل “المربع التربوي” الذي أدار دفة التربية والتعليم برقيّ منقطع النظير. كانت المديرة القديرة ليلى نصار تقود سفينة المدرسة بحكمة، وإلى جانبها كانت والدتي نهلا قديح، والزميلتان المخلصتان ليلى عبود و السيدة ياسمين . هؤلاء النسوة لم يكنّ مجرد معلمات، بل كنّ حارسات لذاكرة المدينة ووجدانها، ينسجن بصبر أواصر مجتمع لا يعرف الانفصام.
أتذكر جيداً ذلك اليوم من أيام آذار، حين اصطحبتني والدتي وأنا طفل صغير إلى منزل المربية ياسمين في “حي الميدان”. كان عيد الفصح يطرق الأبواب، وكان ابنها “وليد” زميلي في مقاعد الدراسة بمدرسة الراهبات في النبطية. ما إن دخلنا البيت حتى استقبلتنا رائحة هي مزيج من القداسة والبهجة؛ كانت طاولة السفرة قد تحولت إلى ورشة عمل مقدسة لإعداد معمول عيد الفصح. ولم تكن هذه الأجواء غريبة عنا، فقد كانت هذه “الجمعة” المباركة تتكرر في منزلنا في “حي البياض” في الليالي التي يُعد فيها معمول عيد الفطر وعيد الأضحى.
في ذلك المشهد، لم تكن ” المس ” ياسمين تصنع الحلوى وحدها، بل كانت حلقة من نساء النبطية تلتف حول الطاولة كعقد فريد؛ انضمت إليها خالتي “أرينب” وامرأة “أبو طوني شاهين”، ومعهن زميلاتها من آل عساف ورحال وعبود ، فخر الدين وبدر الدين وكحيل ووهبي وصادق وبيطار وجابر والحاج علي…، وغيرهن من سيدات النبطية. كنت ألعب مع وليد على الأرض، نراقب بفضول طفولي تلك الأنامل التي تضغط العجين في القوالب الخشبية، فتخرج الأقراص مزينة بنقوش السنابل والزخارف الهندسية التي تحاكي إرثاً ضارباً في القدم. كانت المربية ياسمين، بهدوئها الراقي وقلبها الحنون وبسمتها الجميلة المعهودة، تردد دائماً حكمتها الأثيرة: “إننا نعيش في هذه الدنيا وقتاً قصيراً وبسيطاً سرعان ما يمضي، فلنعيشه بأمان وفرحة وجمال”. كلمات كانت بمثابة التجلّي الفلسفي لتلك الجمعة الرائعة، حيث يصبح الوقت فعلاً إبداعياً لا مجرد صيرورة زمنية.
من “المنزل” إلى “المدرسة”: ترويقة الألفة ونقاء الروح
لم تكن تلك النسوة يفركن السميد بالسمن فحسب، بل كنّ يفركن القلوب بالمودة الصافية، وتوزع المهام بآلية “العونة” اللبنانية الأصيلة. وهذا المشهد المهيب لم يكن حبيس الجدران المنزلية، بل كان يفيض ليعكس ظلاله في أروقة المدرسة التي كانت تجمع الهيئة التعليمية؛ حيث كان من عادات المربيات أن يُحضرن المعمول المنزلي في المناسبات المختلفة.
حول مائدة “الترويقة” الصباحية، يجتمع الأساتذة والمعلمات في جو رائع يجسد أسمى معاني الإنسانية، يتبادلون الأطباق والضحكات كعائلة واحدة، وكان ذاك النتاج المخبوز بحب في بيوتهن هو التاج الذي يزين الجلسات، وعلامة الجودة لنفوسٍ عُجنت بالكرامة.
لقد كانت “سكبة” المعمول التي تخرج من حي الميدان لتصل إلى سائر أرجاء النبطية، تعبيراً عن فيض الروح وتدفق المودة التلقائية التي ميزت تلك الحقبة. لم تكن مجرد تبادل للحلويات، بل كانت تجسيداً لحالة الاتحاد الوجداني، حيث يصبح “الآخر” هو “الذات” في مرآة العيد. فالمعمول، بكل ما يحمله من رمزية تاريخية وجدوى اجتماعية، ظل “بركة الدار” التي لا تكتمل الفرحة بدونها، ورائحة الخَبز التي تعلن أن القلوب مؤتلفة.
إن هذه الروح الفلسفية التي سكنت أنامل ليلى نصار، ووالدتي، وليلى عبود، والسيدة ياسمين، هي التي منحت المعمول قدسيته. لقد كان المعمول في عرفهن هو صيرورة الفرح، وطريقة لمقاومة فناء الوقت بالجمال. سيبقى عبير تلك الأيام فواحاً، يذكرنا بأن الأناقة الحقيقية تبدأ من طهارة النفس، وأن التاريخ لا يكتبه القادة فحسب، بل تكتبه أيضاً أيدي الأمهات والمربيات اللواتي نقشن على وجه المعمول سنابل قمح، وعلى قلوبنا قيماً خالدة لا تبلى، ليبقى حضورنا في هذا الوجود، كما أرادت ياسمين، حضوراً مفعماً بالأمان، والفرحة، والجمال المطلق.

