التوتر على أشده بين بعبدا وعين التينة، ومن خلفها حزب الله. من تعليق الاجتماع الذي كان مقرّرًا بين الرؤساء الثلاثة إلى أجل غير مسمّى، إلى بيان رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي اتهم فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون بالإدلاء بكلام غير دقيق، ما صبّ الزيت على نار الخلاف السياسي. وزاد من حدّة التوتر التواصل المسائي بين وزير الخارجية الإيراني وبري، في مشهد يعكس تشابك القرار الداخلي مع الحسابات الإقليمية.
مفاوضات تحت الضغط: انقسام داخلي يضعف الورقة اللبنانية
هذا التشنج بلغ ذروته في ظل مفاوضات تخوضها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، خلافًا لرأي المكوّن الشيعي المسلّح. وفي وقت تحتاج فيه السلطة السياسية إلى وحدة موقف تمنحها قوة تفاوضية، يبدو الانقسام الداخلي كفيلًا بإضعاف لبنان في لحظة مفصلية، حيث تُطرح أسئلة جدية حول قدرة الدولة على انتزاع مكاسب أو حتى منع الانزلاق نحو حرب مفتوحة.
قنوات مفتوحة وزيارة مرتقبة: واشنطن تدخل على الخط
ورغم التصعيد، تؤكد مصادر مطلعة أن قنوات التواصل بين بعبدا وعين التينة لا تزال مفتوحة. وفي موازاة ذلك، تترقب الأوساط السياسية زيارة محتملة للسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إلى قصر بعبدا، وسط حديث عن رسائل أميركية قد تشمل دعوة رسمية لرئيس الجمهورية لزيارة واشنطن، في مؤشر إلى دخول أميركي مباشر على خط إدارة الأزمة.
مجلس الوزراء: تعيينات قضائية في قلب العاصفة
وسط هذه الأجواء، انعقد مجلس الوزراء في بعبدا، حيث حضرت الملفات العسكرية والتفاوضية بقوة، إلى جانب إقرار تعيينات قضائية بارزة، شملت تعيين أحمد رامي الحاج مدعيًا عامًا تمييزيًا، وأسامة منيمنة رئيسًا لهيئة التفتيش القضائي، في خطوة تعكس محاولة السلطة إعادة ترتيب مؤسساتها في خضم العاصفة.
القضاء يطالب بالاستقلال: رسالة ضمنية للسياسة
مجلس القضاء الأعلى شدد في بيان له على أن دولة القانون لا تقوم إلا بقضاء مستقل وفاعل، مشيرًا إلى أهمية تحصين هذه الاستقلالية، ومعبّرًا عن أمله في أن تساهم التعيينات الأخيرة في تحسين سير العدالة، في ظل تجاذبات سياسية تضغط على مفاصل الدولة.
غطاء سياسي لعون: الجميل يهاجم بري وحزب الله
رئيس حزب الكتائب سامي الجميل أعلن من بعبدا دعمه الكامل لرئيس الجمهورية والحكومة، معتبرًا أن بري عاجز عن التوفيق بين منطق الدولة وإرضاء حزب الله، داعيًا إياه إلى حسم خياراته. وشن هجومًا حادًا على الحزب، متهمًا إياه بأخذ لبنان رهينة، ومؤكدًا رفض أي تعايش مستقبلي مع منطق السلاح، في موقف يعكس تصاعد الانقسام السياسي الداخلي.
مهلة أميركية – إسرائيلية: نافذة ضيقة قبل التصعيد
في موازاة ذلك، كشفت القناة 12 الإسرائيلية أن تل أبيب طلبت من واشنطن حصر مهلة التفاوض مع لبنان بين أسبوعين وثلاثة، حتى منتصف أيار، ملوّحة بالعودة إلى الخيار العسكري في حال فشل المسار السياسي، ما يضع لبنان أمام سباق مع الوقت.
الميدان يشتعل: حرب المسيّرات والغارات تتوسع
ميدانيًا، يستمر التصعيد بين حزب الله وإسرائيل. الحزب أعلن إسقاط مسيّرة إسرائيلية في أجواء النبطية، فيما ردّ الجيش الإسرائيلي بسلسلة غارات واسعة استهدفت بلدات جنوبية عدة، مترافقًا مع إنذارات بالإخلاء شملت عشرات القرى، ما أدى إلى موجة نزوح كثيفة باتجاه بيروت.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي تفكيك بنى تحتية للحزب في مزارع شبعا، وكشف عن إصابة 12 جنديًا في هجوم بمسيّرة في شوميرا، في مؤشر إلى اتساع رقعة الاشتباك.
نداء دولي: عون يطلب الضغط على إسرائيل
في المقابل، دعا رئيس الجمهورية المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل لوقف استهداف المدنيين والبنى الإنسانية، مشيرًا إلى سقوط مسعفين وإعلاميين، ومطالبًا بكشف مصير الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، في ظل رفض تل أبيب السماح للصليب الأحمر بزيارتهم.
تحركات أممية وعربية: محاولة لاحتواء الانفجار
المنسقة الأممية جينين بلاسخارت عرضت نتائج اتصالاتها في إسرائيل لتثبيت وقف إطلاق النار، فيما دعا تكتل “لبنان القوي” إلى موقف عربي موحد، معوّلًا على القمة الخليجية في جدة لاحتواء التصعيد ومنع عزل لبنان.
بين فرصة التسوية وانفجار شامل
لبنان يقف اليوم عند مفترق حاسم: إما توحيد موقفه الداخلي لإنجاح المفاوضات، أو الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة تُعيد رسم المشهد بالقوة. وبين حسابات الداخل وضغوط الخارج، يبقى السؤال: هل يملك لبنان ترف الوقت قبل أن تنفجر الحرب الكبرى؟

