لا بدّ للمرء من أن يتفهّم مشاعر الناس وحزنها وغضبها نتيجة الضغوطات النفسية والعصبية التي تعاني منها جرّاء القهر الذي نتعرّض له جميعاً في هذه الفترة الصعبة المستمرة منذ 8 تشرين الأول عام 2023 وحتى اليوم، ما يجعل المشاعر والغرائز هي المتحكّمة بكل قول تقوله أو عمل تُقدم عليه، بعيداً عن المنطق السليم الذي يقتضي منا جميعاً العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بلدنا وأهلنا، بعيداً عن الشعارات الديماغوجية التي تطبع خطاب كل صاحب غرض، سواء كان سياسياً أو عقائدياً أو مادياً، في محاولة منه لإظهار نفسه في موقع المدافع عن الحق والوطن، ويُصنِّف الآخرين بالمقابل كعملاء أو، في أحسن الأحوال، متخاذلين، في حين أنهم مواطنون عاديون لا همّ لهم إلا العيش الكريم في ظروف طبيعية كغيرهم من الناس في جهات العالم الأربعة.
استثمار المآسي في الخطاب السياسي
لكن لا بدّ في الوقت نفسه من الإشارة إلى أن استغلال أنصار “حزب الله” وذبابه الإلكتروني، الذي يقوم خطابه على “أن الكلمة للميدان، وبأن الحقيقة هي ما ترون لا ما تسمعون”، استغلاله لأي مأساة إنسانية – وما أكثرها هذه الأيام – للتصويب على الدولة بشخص الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام – مع تحييد الرئيس نبيه بري!! – إنما يدخل في باب الاستثمار بالمآسي لتحقيق مكاسب سياسية رخيصة، في وقت لا يمكن فيه لأي عاقل أن ينتظر مكسباً ما في هذه الظروف إلا على حساب الوطن والناس، لأن الوضع أسوأ بكثير من أن يحتمل أي مكسب.
جريمة الطيري وسياقها الميداني
من هذه المآسي مؤخراً هو مقتل الصحافية في جريدة الأخبار أمال خليل جرّاء جريمة إسرائيلية جديدة من ضمن المحرقة التي نعيشها يومياً، وكما في كل مرة انبرت بعض الأقلام، قليلها عن حرقة إنسانية حقيقية، وكثيرها – للأسف – عن غرض سياسي، وذلك من ضمن حملة التجييش ضد الدولة ومؤسساتها، بالمزايدة ومطالبة هذه الأخيرة بإجراءات ومواقف هي غير قادرة عليها عملياً نتيجة الضعف الذي يعتريها جرّاء ممارسات الطاقم السياسي بأغلبيته منذ عشرات السنين، ومن ضمنه، بل وعلى رأسه، “الثنائي الشيعي” الذي يقود أنصاره اليوم هذه الحملات، في الوقت الذي عملت الدولة فيه أقصى ما تستطيع بحسب إمكانياتها، بدءاً بالاتصالات السياسية والتقنية مع لجنة الميكانيزم وغيرها، وصولاً إلى أخذ قرار المغامرة بإرسال الجيش مع فرق الصليب الأحمر اللبناني إلى مكان الاستهداف في بلدة الطيري، التي هي من ضمن منطقة “الخط الأصفر” التي أعلنها العدو منطقة محظورة، والتي دخلتها الصحافية الراحلة من دون التنسيق مع أي من الأجهزة الرسمية، ونقول هذا تقريراً للواقع، وليس تبريراً للجريمة أو تبرئة للمجرم الذي يتحمّل مسؤولية جريمته الأكبر، وهي العدوان والاحتلال، فما بالك بجريمة قتل مواطنين مدنيين، إلى أي مهنة أو جنس أو طائفة انتموا.
إشكالية المطالبة بوقف المفاوضات
البعض مثلاً طالب الدولة بوقف المفاوضات في واشنطن، وهي المفاوضات التي – كما هو معروف – دخلتها الدولة مرغمة، والتي لم تزل في طور اللقاءات الأولية لمحاولة وقف إطلاق النار، وذلك في محاولة منها لتخفيف آثار الحرب الجديدة التي دخلها حزب الله كعادته دون استشارة أحد – وكما قال بدايةً – ثأراً للمرشد الإيراني السيد علي خامنئي، ولاحقاً تحت ذريعة أن الحرب الواسعة بين إيران وكل من أميركا وإسرائيل قد تكون فرصة لتغيير قواعد الاشتباك المتّبعة في لبنان منذ 27 تشرين الثاني 2024، فكانت النتيجة أن “مجريات الميدان والحقيقة التي نراها” أتت كارثية، ما أدّى إلى جنوح الدولة للمفاوضات التي يطالب البعض اليوم بوقفها عند كل جريمة يرتكبها العدو، وما أكثر جرائمه، من دون النظر إلى الواقع الذي تعيشه البلاد والعباد، وهو واقع لا نُحسد عليه، بحيث إننا أعجز من أن ننسحب من مفاوضات مفروضة علينا بقوة الواقع الميداني الذي وصلت تداعياته الكارثية إلى العاصمة بيروت في مجزرة 8 نيسان الماضي.
ازدواجية المعايير والانزلاق نحو الكارثة
قد يكون مفهوماً رفض البعض مجرد اللقاء مع العدو من منطلق عقائدي وسياسي، وهو حق، لكن ما ليس مفهوماً هو أن يتحوّل هذا الحق ليُراد به باطل، وهو هنا منع الدولة من ممارسة صلاحياتها ومحاولة مصادرة هذه الصلاحية ووضعها في عهدة طرف آخر على طاولة إسلام آباد، إذ إن حزب الله وأتباعه الذين يعتبرون المفاوضات الأميركية – الإسرائيلية انتصاراً لإيران وتدخل ضمن فقه “الحلال السياسي”، يُلقي في الوقت ذاته الحُرم على الدولة اللبنانية لممارستها فعل التفاوض نفسه، لدرجة التخوين والتهديد لرؤساء السلطة، في ممارسة لا منطقية ولا عقلانية، ليؤكد المؤكد بأن الحرب، ومنذ بداية “إسناد غزة” وحتى “إسناد طهران”، كانت لمصلحة إيرانية محضة، ولم تكن بدافع لبناني أو فلسطيني أو عربي، وإذا كانت حرب إسناد غزة خلّفت – كما يعتبر بعضهم – مجرد “نكسة” في العام 2024، فإن حرب “إسناد طهران” الحالية أورثت لبنان وأهل الجنوب بشكل خاص نكبة شبيهة بنكبة فلسطين عام 1948، ومع ذلك فإن القائمين عليها لا يزالون في حالة إنكار ومكابرة، حتى بعد أن خسر لبنان 55 قرية باتت جزءاً من الخط الأصفر، إنكار ومكابرة تجعلهم غير قادرين على مناقشة الواقع كما هو، وبينما الدولة – على كل مثالبها – تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، تراهم يندفعون مسرعين إلى الانتحار بدافع جموح عقائدي، غير آبهين بمأساة البلد والناس التي تكبر يوماً بعد يوم جرّاء الخسائر اليومية التي نتكبدها من بشر وحجر وشجر، عدا عن الاقتصاد الذي تشير كل مؤشراته إلى كارثة كبرى مقبلة، فأين المفر؟

