بعبدا تؤجّل اللقاء الثلاثي..وقنوات الاتصال مفتوحة على إيقاع التصعيد

اجتماع رئاسي ثلاثي في بعبدا

في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، سقط خيار عقد اجتماع رئاسي ثلاثي في قصر بعبدا، كان يُفترض أن يجمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليحلّ مكانه اتصال ثلاثي حافظ على خيط التواصل، من دون أن ينجح في تبديد التعقيدات التي تحيط بالمرحلة.

تأجيل محسوب تحت ضغط الميدان

لم يكن تأجيل اللقاء تفصيلاً بروتوكولياً، بل جاء نتيجة مباشرة للتصعيد الإسرائيلي المتسارع في الجنوب، والذي تجاوز عملياً حدود الهدنة الممددة، وأسقط ما تبقى من قواعد اشتباك هشة. هذا الواقع دفع برئيس مجلس النواب إلى التريث في التوجه إلى بعبدا، تفادياً لأي إحراج سياسي قد ينتج عن اجتماع لا يملك أدوات التأثير في الميدان، فاختار الاكتفاء باتصال مع الرئيسين عون وسلام، جرى خلاله الاتفاق على تأجيل اللقاء إلى حين نضوج الظروف.

شرط وقف النار… مفتاح العودة إلى الطاولة

المعطيات تشير إلى أن شرط وقف إطلاق النار الكامل شكّل العتبة الأساسية لأي اجتماع ثلاثي محتمل. فالموقف الذي تم تداوله في الكواليس ربط المشاركة في اللقاء بوجود التزام فعلي بوقف العمليات العسكرية، لا سيما في ظل استمرار استهداف المدنيين والبنى التحتية.

وفي موازاة ذلك، استمرت الاتصالات بين الرؤساء الثلاثة، في محاولة لضبط التباينات والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الداخلي، وسط إدراك مشترك بأن الانقسام السياسي في هذه المرحلة قد يضاعف من كلفة المواجهة.

قنوات مفتوحة وضغط أميركي

على خط موازٍ، تكثّفت الاتصالات الرئاسية مع الجانب الأميركي، في محاولة للضغط على إسرائيل للالتزام بوقف إطلاق النار. وتفيد مصادر مطلعة أن التنسيق مع الدوائر الدبلوماسية الغربية لم ينقطع، بل تصاعد في الساعات الأخيرة، بالتوازي مع ترقب لقاء مرتقب في واشنطن بين دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وما قد يحمله من انعكاسات على المسار اللبناني.

كما يُنتظر أن تشكل زيارة محتملة للرئيس عون إلى البيت الأبيض محطة مفصلية في إعادة رسم مسار التفاوض، في حال تهيأت الظروف السياسية والأمنية لذلك.

تحذيرات أمنية لا تغيّر المسار

في خضم هذه التطورات، برزت تقارير إسرائيلية تحدثت عن مخاطر أمنية قد تطال رئيس الجمهورية على خلفية تمسكه بخيار التفاوض. ورغم أن هذه المعطيات أُخذت على محمل الجد داخل الأوساط الرسمية، إلا أنها لم تدفع إلى أي تراجع في الموقف، بل عززت الإصرار على متابعة الاتصالات السياسية كخيار وحيد لتفادي الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

تصعيد ميداني يضغط على القرار السياسي

ميدانياً، يواصل الجنوب الاشتعال على وقع غارات جوية وقصف مدفعي طال عدداً من البلدات، من صور إلى بنت جبيل، مروراً بالنبطية ومحيطها. وقد سجل سقوط ضحايا مدنيين وعسكريين، إضافة إلى تدمير واسع في الممتلكات، في مشهد يعكس حجم الضغط الذي يفرضه الميدان على القرار السياسي.

وترافقت هذه التطورات مع استمرار استهداف المنازل والبنى السكنية، وسط تحليق مكثف للطائرات المسيّرة، ما يعزز المخاوف من توسع رقعة المواجهة في أي لحظة.

مواقف متقابلة ومعادلة معلّقة

في الداخل، تتصاعد المواقف السياسية المتباينة حيال مسار التفاوض، بين من يدعو إلى التمسك به كخيار واقعي، ومن يرفضه باعتباره تنازلاً سيادياً. وفي المقابل، تربط إسرائيل أي انسحاب بوجود “سلطة فعلية” قادرة على فرض سيطرتها، ما يضع لبنان أمام معادلة معقدة تجمع بين ضغوط الخارج وانقسامات الداخل.

صمود القرى… التحدي الأكبر

وسط هذا المشهد، يبقى التحدي الأبرز في صمود القرى الحدودية، التي تواجه الحصار والدمار اليومي. وفي هذا السياق، شدد الرئيس عون خلال استقباله عائلات متضررة على استمرار الجهود لتأمين مقومات الصمود، بالتوازي مع الاتصالات الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار ووقف عمليات الهدم.

في المحصلة، يبدو أن لبنان يقف مجدداً عند تقاطع حاسم بين مسار تفاوضي لم يكتمل بعد، وميدان يفرض إيقاعه بالقوة، فيما تبقى قنوات التواصل مفتوحة… بانتظار لحظة توازن لم تتبلور بعد.

السابق
تحذير أممي: لبنان على أبواب أزمة غذائية حادة!
التالي
عون: المفاوضات الخيار الوحيد للأمن… وإسرائيل مخطئة إن راهنت على القوة