أمجد يوسف سقط… ومعه رواية نظام بشار الأسد و«الحزب»

في لحظة فاصلة، يكفّ التاريخ عن الهمس ويعلو صوته دفعة واحدة، بلا تمهيد، ويعلن الآن،الآن تُفتح الدفاتر التي أُقفلت قسراً، الآن تُتلى الأسماء بلا ارتجاف.

اسم كأمجد يوسف ليس تفصيلاً هامشياً في تسجيل مسرّب أو شهاد مؤجَّلة، بل تحوّل إلى علامة على طور كامل ينقلب على ذاته. رجل ارتبط بمجزرة التضامن، ليس استثناءً شاذاً،انّما جزءا صريحاً من آلة عملت سنوات تحت سقف نظام بشار الأسد، وعلى مرأى من حلفائه، وفي مقدّمهم حزب الله.

المشهد ليس خبراً أمنياً عابراً كإنّه ارتطام سردية كاملة بجدار الحقيقة،لسنواتٍ طُرحت حكايةٌ جاهزة(خطرٌ داهم، داعش على الأبواب، وضرورة أن يكون الوحش الأقوى هو من يصدّه. تحت هذا المنطق، استُبيح كل شيء،مدنٌ سُوِّيت بالأرض، بشرٌ اختفوا، وأجساد فقدت أسماءها.
وفي المقابل، كانت العدسة—ولو من زوايا ضيّقة—تلتقط ما عجز الخطاب عن طمسه. كانت التضامن واحدة من تلك الزوايا (حفرة، طلقات، وبرودة قاتلة،لم يكن هناك اشتباك، بل إعدام.

هنا يبدأ الانفجار الحقيقي،حين يعود أسم كأمجد يوسف إلى الضوء، لا يعود وحيداً بل يستدعي معه سؤالاً ثقيلاً تُرك طويلاً بلا جواب: إذا كان هذا هو (المدافع فما طبيعة ما كان يُدافع عنه؟ وإذا كان هذا جزءاً من حربٍ على الإرهاب، فأيّ تعريف بقي للإرهاب؟ سؤالٌ لا يكتفي بإيلام الذاكرة، بل يزعزع الطمأنينة المصطنعة، ويهمس في وجه القناعات،لعلّ الرواية التي استقرّت في الأذهان كانت ناقصة… أو مقلوبة.

حزب الله، الذي شاد جزءاً كبيراً من شرعيته على فكرة (الحاجز الأخير)يجد نفسه أمام اختبار لا تُجدي معه الشعارات،حاجزٌ في وجه ماذا؟ في وجه الخوف! غير أنّ الخوف، حين يُستثمر، يتحوّل إلى أداةٍ قابلة للتضخيم، إلى مادةٍ تُستدعى كلما دعت الحاجة إلى تبريرٍ جديد.
ومع كل مشهد من طراز التضامن، تتآكل هذه الأداة.ك،لأن الصورة أقوى من البيان، ولأن الرصاصة التي تستقر في رأس أعزل لا تحتمل تأويلاً ولا تُرفَق بحاشية تفسير،(إنّها فعلٌ واحد: قتل.

حزب الله، الذي شاد جزءاً كبيراً من شرعيته على فكرة (الحاجز الأخير)يجد نفسه أمام اختبار لا تُجدي معه الشعارات،حاجزٌ في وجه ماذا؟ في وجه الخوف!

ما يجري اليوم—بغضّ النظر عن الحسابات—ليس توقيفاً معزولاً، هو شرخٌ مسموع في جدارٍ طالما بدا صلباً،ليس لأن شخصاً أُلقي القبض عليه، بل لأن فكرة الإفلات من العقاب تلقّت ضربة مباشرة،فجأةً، يتسرّب الارتباك،إذا خرج اسمٌ إلى العلن، فثمة أسماء أخرى قد تتبعه وإذا فُتح ملف، فثمّة ملفات لن تُغلق وإذا بدأ الربط بين الوقائع، فلن يعود ممكناً تفكيكها وبيعها مجزّأة.

القوة الكامنة في هذه اللحظة لا تختزلها السياسة ولا القضاء،إنّها كامنة في تحوّل الوعي حين يتوقّف فرد—كان يعتقد أنّ ما جرى حربٌ (نظيفة ضد إرهابيين ) -ليطرح على نفسه سؤالاً بسيطاً وخطيراً،ماذا لو كنّا نغطي حقيقةً أخرى؟ هذا التحوّل أشدّ أثراً من أي حكم، لأنّه يطال الأساس(القناعة).

لم تكتمل العدالة بعد، ولا ينبغي اختزال الطريق بمحطّة واحدة،لكن الإشارة باتت جلية،فالدم لا يشيخ، لا يتبخّر، بل يبقى كامناً، ينتظر اللحظة التي يستعيد فيها صوته. وأمجد يوسف اسما وقضية هو أحد تجلّيات هذا الصوت حين قرّر أن يُسمع .

القوة الكامنة في هذه اللحظة لا تختزلها السياسة ولا القضاء،إنّها كامنة في تحوّل الوعي

لعلّ أقسى ما في المشهد أنّه لم يأتِ من فراغ،المعرفة كانت موجودة، مبعثرة، مهموسة،الفارق اليوم أنّها خرجت إلى المواجهة والمواجهة لا ترحم(إمّا أن تعيد صياغة كل شيء، أو تترك الأكذوبة قائمة ولكن مكشوفة.
وهنا بيت المسألة،ليس السؤال من سيربح سياسياً، بل من لا يزال قادراً على تكرار الحكاية ذاتها أمام أعينٍ رأت ما يكفي،لأن الحكاية، ببساطة انتهت وما تبقّى ليس إلا حساباً مفتوحاً.

مشاهد لمجزرة ارتكبها أمجد يوسف مع عناصر النظام السوري عام 2013

السابق
قلق أوروبي من اتفاق «ناقص» مع إيران… ولبنان على طاولة النقاش
التالي
فرنسيس نائبًا عامًا تمييزيًا بالإنابة… انتقال قضائي بانتظار التوافق السياسي