بعد “سَكرة” الانتصار والتحرير في 25 أيار 2000، جاءت “الفِكرة” بأن التحرير يترتَّب عليه استحقاقات داخلية، بحسب ما نصّ عليه “اتفاق الطائف”. أولى هذه الاستحقاقات انسحاب القوات السورية، أو أقله إعادة انتشارها إلى منطقة البقاع كمرحلة أولى، وثانيها حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بما يعنيه هذا الأمر من ضرورة تسليم سلاح حزب الله للدولة، أسوةً بباقي الميليشيات والمنظمات التي سلَّمت سلاحها أوائل التسعينيات.
تزامنًا، وفي العاشر من حزيران، أي بعد 15 يومًا من التحرير، مات حافظ الأسد في سوريا، وتسلّم السلطة ابنه بشار وجناحه الراديكالي المقرَّب من إيران، ما وفّر لهذه الأخيرة فرصة للعودة إلى مسرح الأحداث في المنطقة ومساحة للعب دور أكبر فيها، بدءًا من سوريا ولبنان، بعد فترة غياب فرضتها ظروفها عقب هزيمتها أمام العراق والتطورات في التسعينيات.
إيران تملأ الفراغ: بداية التحوّل الاستراتيجي
ما عزَّز هذه الفرصة هو فشل وتوقف مفاوضات السلام بين سوريا وإسرائيل، والفراغ الذي تركه غياب الأسد الأب من جهة، والانكفاء المستمر للنظام العراقي تحت وطأة الحصار المفروض عليه، وكذلك فشل مفاوضات الحل النهائي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل وبدء انتفاضة الأقصى في فلسطين من جهة أخرى.
هذا الواقع ترك المنطقة في شبه فراغ، فجاءت إيران لتملأه عبر ترؤسها ما سُمّي بمحور الممانعة، الذي ضمّها إلى سوريا وحزب الله بطبيعة الحال، خاصة وأن “استثمارها” بحزب الله في لبنان قد نجح عبر التحرير، وبات له رصيد كبير في الشارعين اللبناني والعربي.
وهنا، بالإتفاق مع النظام السوري، أُخرجت ورقة مزارع شبعا المحتلة وطرحت على الطاولة، وهي المشمولة كما هو معروف بالقرار 242 لعام 1967، وليس بالقرار 425 الذي كان يرعى الوضع في جنوب لبنان. وكانت بداية سقوط الأقنعة عندما اعتبر حزب الله أن التحرير لم يكتمل، وبالتالي فإن مندرجات “اتفاق الطائف” لناحية الانسحاب السوري وتسليم سلاحه للدولة اللبنانية لم تكتمل عناصرها بعد.
من اغتيال الحريري إلى سقوط القناع الثاني
هذا التطور واكبه في الداخل اللبناني حراك تمثَّل بمظاهرات 7 آب ضد النظام الأمني اللبناني – السوري، بالتوازي مع زيارة البطريرك الماروني للجبل حيث أرسى المصالحة المسيحية – الدرزية، تلا ذلك بيان المطارنة الموارنة في أيلول، والذي دعا إلى استكمال تنفيذ الطائف لناحية حصر السلاح والانسحاب السوري.
وفي ظل هذه الأجواء، جاءت أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة لتصب الزيت على نار المنطقة بأكملها، ما سمح لإيران بالإفادة من الاندفاعة الأميركية لتدخل معها في تفاهمات أدت إلى إسقاط حكم طالبان في أفغانستان أولًا، ومن بعدها إسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق.
لاحقًا، كان اغتيال رفيق الحريري نقطة مفصلية، إذ أدّى إلى خروج قوات النظام السوري من لبنان، ما اضطر إيران للتعامل مباشرة مع الساحة اللبنانية عبر حزب الله، فسقط القناع الثاني عن وجه الحزب وبدأ “يصرف” من رصيده لدى الناس في لبنان والعالم العربي.
حرب 2006: النصر الذي غيّر المعادلة
في العام نفسه، تم الانسحاب الإسرائيلي من غزة وكسبت حماس الانتخابات التشريعية، فرأت فيها إيران فرصة جديدة، فكانت عملية الهروب إلى الأمام عبر خطف جنود إسرائيليين في غزة ولبنان، ما أدى إلى حرب 2006.
هذه الحرب، التي بدأها حزب الله، لم تكن دفاعية كما في السابق، بل هجومية، ما أفقد لبنان الكثير من التعاطف العربي والدولي، وأدّت إلى صدور القرار 1701، الذي فرض قواعد اشتباك جديدة في الجنوب.
ورغم إعلان “النصر الإلهي”، تم عمليًا تسييل هذا النصر داخليًا، وصولًا إلى الانقلاب على الحكومة في العام 2008، ليسقط القناع الثالث، ويدخل لبنان مرحلة سيطرة سياسية وأمنية شبه كاملة للحزب.
من سوريا إلى غزة: اكتمال التحوّل إلى ذراع إقليمية
لاحقًا، توسّع دور حزب الله خارج الحدود، فشارك في الحرب السورية، ثم في العراق واليمن، بالتوازي مع التحكم بالاستحقاقات الدستورية داخل لبنان وتعطيلها، وصولًا إلى الانهيار.
كما برز دوره في قمع انتفاضة 17 تشرين، والتنازل في ملف الترسيم البحري، وصولًا إلى حرب “إسناد غزة” في 8 تشرين الأول 2023، والتي كانت أيضًا حربًا هجومية، تلتها الحرب الحالية التي بدأها الحزب بإطلاق صواريخ “ثأرًا للخامنئي”.
كل ذلك أكد أن الحزب بات ذراعًا إقليمية لمشروع إيران أكثر منه مكوّنًا لبنانيًا صرفًا.
الخاتمة: من نعمة المقاومة إلى كلفة الانهيار
هكذا كانت مسيرة حزب الله، التي حوّلت المقاومة من نعمة لبنانية أيام “جمول”، التي حررت أكثر من 90% من الأرض، إلى نقمة إيرانية حلّت على الجنوب ولبنان، والشيعة بشكل خاص.
اليوم، ومع عودة الاحتلال والتدمير الشامل، وأكثر من مليون نازح، يقف لبنان أمام واقع قاسٍ، حيث لا خيار أمام الدولة سوى التفاوض من دون أوراق قوة، وربما القبول بشروط قاسية لاستعادة الأرض وإعادة الناس إليها.
ليس هذا طرحًا انهزاميًا، بل قراءة واقعية لموازين القوى، بعيدًا عن أوهام استمرت لعقود، وانتهت بما يعيشه لبنان اليوم من انهيار شامل.

