مسموح لطهران… ممنوع على بيروت: المفاوضات بين البراغماتية الايرانية والأيديولوجيا في لبنان!

Lebanon Israel US Talks in Washington

في اليوم الرابع عشر للهدنة، تتكثف الإشارات إلى أن المنطقة تقف على عتبة مسار تفاوضي واسع قد يعيد رسم موازين القوى، لا سيما مع ارتفاع وتيرة الكلام الأميركي عن “اتفاق عادل” محتمل، بالتوازي مع ما يُنقل عن منح علي خامنئي الضوء الأخضر لفريقه التفاوضي، وهو ما يتقاطع مع لهجة دونالد ترامب التي تجمع بين التحذير والانفتاح في آن واحد.

إيران تفاوض… من موقع القوة والبراغماتية

 في هذا المناخ، تبدو طهران وكأنها انتقلت من موقع المواجهة الصلبة إلى إدارة الصراع عبر التفاوض، ليس بوصفه تراجعاً، بل كخيار محسوب لحماية موقعها وتخفيف الضغوط عنها وإعادة تثبيت دورها الإقليمي.

هذا التحول الإيراني، الذي تعززه تسريبات عن استعداد لتعليق تخصيب اليورانيوم لفترة طويلة، يعكس براغماتية واضحة في التعاطي مع موازين القوى. فالتفاوض هنا ليس تنازلاً بقدر ما هو أداة من أدوات إدارة النفوذ، تُستخدم عندما تصبح كلفة الاستمرار في المواجهة أعلى من كلفة الانخراط في تسوية مرحلية. لكن ما يبدو لافتاً في هذه اللحظة ليس فقط ما تفعله إيران، بل ما يُمنع على غيرها فعله، وتحديداً في لبنان.

لبنان يُمنع من التفاوض… رغم الكلفة الكارثية للحرب

في المقابل اللبناني، الصورة أكثر قسوة وتعقيداً. بلد خرج لتوه من حرب مدمرة خلّفت خسائر بشرية ومادية هائلة، يجد نفسه عاجزاً حتى عن طرح خيار التفاوض كوسيلة لوقف النزيف. لا يعود الأمر هنا نقاشاً سياسياً عادياً حول جدوى التفاوض، بل يتحول إلى خط أحمر يُقابل بالرفض القاطع، تقوده بشكل أساسي مواقف حزب الله الذي لا يكتفي برفض أي تواصل مباشر مع إسرائيل، بل يذهب إلى ممارسة ضغط سياسي وشعبي واسع لمنع هذا الخيار، وصولاً إلى اتهام الداعين إليه بالعمالة والتلويح بمصائر دموية شبيهة بما واجهه أنور السادات بعد اتفاق كامب ديفيد.

هنا تحديداً تتكشّف المفارقة التي يصعب تجاهلها. إيران، التي ترفع سقف العداء للولايات المتحدة، تفاوضها بشكل مباشر حول ملفات تُعد من صلب سيادتها، من برنامجها النووي إلى دورها الإقليمي، وتفعل ذلك من دون أن يُنظر إلى هذا السلوك كتناقض أو خيانة، بل كبراغماتية سياسية. أما في لبنان، فإن مجرد التفكير في تفاوض مباشر مع إسرائيل، ولو بهدف وقف حرب مدمرة، فيُقابل بتخوين فوري ورفض مطلق، وكأن ما هو مباح لدولة مركزية كإيران يصبح محرّماً على دولة منهكة كلبنان.

ازدواجية صارخة: ما هو مباح لإيران محرّم على لبنان

هذا التناقض لا يمكن فهمه إلا من خلال موقع لبنان في المعادلة الإقليمية. فلبنان، في نظر طهران، ليس مجرد دولة مستقلة بقرارها الكامل، بل ساحة أساسية ضمن منظومة نفوذها، وأي تفاوض لبناني مستقل يعني عملياً خروج هذه الساحة من إطار التحكم الاستراتيجي. لذلك، لا يبدو رفض التفاوض مرتبطاً فقط بطبيعة العلاقة مع إسرائيل، بل أيضاً بالخوف من فقدان ورقة ضغط أساسية تُستخدم في التفاوض الإقليمي الأوسع.

حزب الله ومعادلة التحكم بالقرار اللبناني

ومن هنا، يصبح موقف حزب الله أكثر وضوحاً في سياقه السياسي. فالحزب، الذي يشكل جزءاً من هذه المنظومة، يتعامل مع أي مسار تفاوضي لبناني مستقل باعتباره تهديداً مباشراً لدوره ولمعادلة القوة التي أرساها في الداخل. وبالتالي، فإن منع التفاوض لا يُقرأ فقط كخيار أيديولوجي، بل كقرار استراتيجي يهدف إلى إبقاء الملف اللبناني مرتبطاً بالمسار الإيراني، بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الكبرى.

المفارقة الأكثر حدّة أن هذا التشدد يأتي في وقت تمارس فيه إيران أعلى درجات المرونة السياسية، فتفاوض وتناور وتقدّم عروضاً قد تبدو قبل سنوات قليلة غير قابلة للتصوّر. وبين هذه البراغماتية الإيرانية والجمود المفروض على لبنان، تتسع الفجوة: دولة تفاوض لتحمي مصالحها، وأخرى تُمنع من التفاوض رغم أن كلفة الحرب عليها وجودية.

من يملك حق إنهاء الحرب؟

في المحصلة، لا يبدو أن السؤال الحقيقي يدور حول مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل حول الجهة التي تملك قرار اللجوء إليه. فإذا كانت طهران تفاوض انطلاقاً من حسابات مصلحتها الوطنية، فإن لبنان، في المقابل، لا يزال عاجزاً عن اتخاذ قرار مماثل، لا بسبب غياب الحاجة إليه، بل بسبب القيود السياسية المفروضة عليه. وهنا تحديداً تكمن العقدة الأساسية: لبنان لا يُمنع من التفاوض لأنه لا يحتاجه، بل لأنه لا يملك وحده حق قراره.

السابق
الجيش الإسرائيلي يجدد تحذيراته لسكان جنوب لبنان ويمنع العودة إلى عشرات البلدات الحدودية
التالي
دولة الرئيس برّي: الى اين تتجّه الأمور؟