متى معاهدة السلام بين الدولة والدويلة؟

غسان صليبي

مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل انطلق، ولا أحد يشك أنه سيكون معقدًا، ومآلاته غير واضحة.

أسباب التعقيدات الأساسية لا تكمن في طبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين فقط، او في واقع الاحتلال الإسرائيلي الذي ترغب إسرائيل بالحفاظ عليه تحت مسمى “الحزام الأمني”، بل تتعداه إلى العلاقة المأزومة بين الدولة وحزب الله.
وهو الطرف المعني بالحرب مع إسرائيل، وبالتالي في أي بحث حول السلام معها.

يطرح هذا النص ضرورة فتح مسار تفاوضي بين الدولة وحزب الله يواكب المسار التفاوضي بينها وبين إسرائيل. أذهب أبعد من ذلك، وأطالب بما يشبه معاهدة سلام بين الدولة اللبنانية ودويلة حزب الله، وأوضح موقفي بالملاحظات الآتية:

1- أتكلم عن معاهدة بين الدولة و”الدويلة”، وليس مع حزب الله كتنظيم مسلح. ذلك أنه من الخطأ مقاربة سلاح حزب الله كمشكلة عسكرية -أمنية، في حين أن السلاح هو في الواقع من أدوات حكم حزب الله لدويلته، ودويلته متكاملة العناصر التي تجعل من كيان جغرافي ما دولة كاملة المواصفات: شعب معيّن ينتمي إليها؛ سلطة سياسية حاكمة؛ حدود واضحة؛ سلطة أمنية وقضائية، مالية واقتصاد موازيان؛ علاقات خارجية مستقلة. كل ذلك في إطار التبعية الكاملة المعلنة لنظام ولاية الفقيه الإيراني.

وما يجعلنا نطلق عليها اسم “الدويلة” ليس إفتقادها في تكوينها لأحد عناصر الدولة، بل فقط لكونها دولة داخل جغرافية دولة أوسع مساحةً منها.

الانكسارات العسكرية التي لحقت بالدويلة وما رافقها من خسائر ديموغرافية ومالية واقتصادية، لا يبدو انها أضعفت عند شعبها من شعوره بالانتماء اليها، حتى لو لم نصدّق كل ما يقوله افراد هذا الشعب المراقب عن كثب من قبل عناصر حزب الله.

2- أتكلم عن معاهدة “سلام” بين الدولة والدويلة، لأن العلاقة الحالية هي علاقة حرب. لا حاجة ربما للتذكير بغزوة حزب الله المسلحة لبيروت، وبالاغتيالات السياسية لرجالات الدولة المتهم بها، وبإنفجار المرفأ الذي تسبب به، وبتهديد السلطة القضائية، وغيرها من الإعتداءات الحربية من الدويلة على الدولة.

أضف إلى كل ذلك التهديدات المتعاظمة في الفترة الأخيرة، من قيادات حزب الله وعناصره وأفراد بيئته للحكومة ورئيسها، وللبيئات المعارضة لحزب الله، وآخرها العراضة العسكرية، من خلال اطلاق النار وقذائف الاربيجي في بيروت، بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار مباشرة بين لبنان وإسرائيل.

3- أتكلم عن “الدولة” لأنها اليوم موحدة، وتستمد شرعيتها الشعبية من تأييد أغلبية المواطنين الموزّعين على الأغلبيات في الطوائف الكبرى، السنية والمسيحية والدرزية، مضافا إليهم أقلية وازنة في الطائفة الشيعية، مع تعاظم عدد المستائين من مغامرات حزب الله العسكرية في أوساط حركة أمل ومناصريها.

4- أتكلم عن “معاهدة” وليس عن اتفاق لأنها بين “دولتين” ولأن المسألة لا تتعلق بحصرية السلاح بل باحترام دستور الدولة ككل، هذا الدستور الذي تتمسك به أكثر من أي يوم مضى، الأغلبية الساحقة لمواطني الدولة.

في حين ان دويلة حزب الله لا تعترف بالدستور اللبناني، بل إن عقيدتها الدينية- العسكرية- السياسية متناقضة مع مبادئ الدستور اللبناني، والمعضلة تكمن هنا بالتحديد.

نخطئ عندما نطالب حزب الله بالعودة إلى كنف الدولة، فنحن نريد فعليًا دمج دويلة بدولة، وهذا ما لا يمكن حدوثه إلا بتحولات جذرية في الدويلة والدولة على حد سواء: تحولات اجتماعية، اقتصادية، سياسية، قيمية، دستورية. وهذا هو صلب موضوع المفاوضة التي يجب أن تحصل بين الدولة ودويلة حزب الله.

بدون معاهدة سلام بين الدولة والدويلة، لا أمل بالسلام الأهلي ولا بسلام مع إسرائيل.

معاهدة سلام مفروضة على الدويلة بين الدولة وإسرائيل وبدون معاهدة سلام بين الدولة والدويلة، لن تؤدِي إلى سلام داخلي، فالسلام الداخلي لا يُبنى على شعور بالقهر من قبل مكون طائفي أساسي من مكونات لبنان.

بالمقابل، ان معاهدة السلام بين الدولة والدويلة لا يمكن أن تكون على شاكلة “اتفاق الدوحة”، ولا حتى على شاكلة “اتفاق الطائف” الذي يسعى الرئيس بري ربما الى تجديده من خلال وساطة سعودية.

الفجوة بين الدولة والدويلة أعمق بكثير مما كانت عليه بين ميليشيات حرب سنة 1975، التي توافقت على “اتفاق الطائف”. الفجوة تضرب جذورها في أسس الدولة المركزية وفي معنى لبنان، وردمها بات يتطلب دون ادنى شك، تعديلا دستوريا يطال تركيبة الدولة.

لكن في حين ان التباعد الكبير على مستوى القيم الدستورية بين الدولة والدويلة، يحتّم قيام صيغة لامركزية موسّعة، يدفع التقارب بوجه الدويلة بين معظم المكونات الطائفية الأخرى واتفاقها على القيم الدستورية الحالية، الى صيغة لامركزية محدودة، لا تتعدى الجانب الاداري. انما نظرا لتاريخنا المليء بالصراعات الدموية بين الطوائف والمذاهب، ولمحيطنا الذي يغذي هذه الصراعات، لعله من الحكمة إعتماد معالجات تتوقع السيء وتتفادى حصوله بدل الاستمرار في المراهنة على معالجات أثبتت التجربة عقمها.

السابق
الخط الأصفر في جنوب لبنان: الجيش الإسرائيلي ينشر خريطة رسمية
التالي
الرياض تعود إلى قلب المعادلة اللبنانية..والثنائي الشيعي يرحّب!