من المفارقات السياسية الصادمة في لبنان اليوم، أن دخول المملكة العربية السعودية على الملف اللبناني صار مطلبًا له الأولويّة لدى الثنائية الشيعية. وإذا كان الرئيس نبيه بري، الذي أوفد مستشاره النائب علي حسن خليل إلى الرياض قبل أيام، قد تمّ وسط مواكبة إعلامية وافتراضية من فريق الثنائية الشيعية، كان فيها الكثير من الودّ والمديح للسعودية، وعملت أوساط في حركة أمل على ترويج مقولة إن الزيارة ساهمت في تعجيل وقف إطلاق النار، فإن حزب الله لم يكن بعيدًا جدًا عن إظهار الرغبة والترحيب بدور سعودي يساهم في الحدّ من اختلال التوازن الطاغي لصالح إسرائيل في الحرب التي اشتعلت في 2 آذار.
تحوّل في الخطاب السياسي والإعلامي
وعلى الرغم من الغضب والانفعال في مواقف بعض قياديي الحزب وحوارييه في الإعلام، الذين خوّنوا رئيس الحكومة ثم رئيس الجمهورية بعد خطابه الأخير، فإن أحدًا لم ينبس ببنت شفة مسيئة للرياض. بل ان بعض الإعلاميين القريبين من الحزب صار يرسم سيناريوهات لسياسة سعودية تلتقي مع سياسة الحزب وتصبّ لصالح خيارات معادية لإسرائيل، خلافًا لما كان عليه الخطاب الإعلامي السابق، الذي كان يضع السعودية وآل سعود في خانة الفريق الأخطر من إسرائيل.
حزب الله لم يكن بعيدًا جدًا عن إظهار الرغبة والترحيب بدور سعودي يساهم في الحدّ من اختلال التوازن الطاغي لصالح إسرائيل
حقيقة الزيارة وتضخيمها إعلاميًا
تضخيم حركة الاتصالات مع السعودية من قبل الثنائية، المرافقة لزيارة مستشار بري، هو، بحسب المعلومات، تضخيم لزيارة روتينية تأتي ضمن لقاءات يجريها الأمير يزيد بن فرحان مع سياسيين لبنانيين، خصوصًا أن ابن فرحان توقّف عن زيارة لبنان بسبب أحداث الحرب. وهو استقبل، في الوقت نفسه، قبل وبعد زيارة خليل، ممثلين للقوات اللبنانية والحزب الاشتراكي والكتائب أيضًا، فضلًا عن مستشار لرئيس الجمهورية اللبنانية وغيرهم من ممثلي قوى وشخصيات لبنانية.
السعودية وشروط الدولة في لبنان
لا شك أن الرئيس نبيه بري يحظى بتقدير واحترام من قبل بن فرحان والقيادة السعودية، وتبدي المملكة الكثير من الحرص على لبنان وعلى “دولة السيادة والقانون والشفافية”، وهي عبارة مفتاحية لأي نشاط سعودي بشأن لبنان. عبارة تتكرّر، بحسب مصدر دبلوماسي سعودي، على لسان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، خصوصًا عندما استقبل رئيس الجمهورية جوزاف عون، وقبله رئيس الحكومة نواف سلام، وسمعها الرئيسان أكثر من مرة. وكرّرها ابن سلمان لتأكيد حقيقة أن الدولة والإصلاح مدخلان لا بدّ منهما لفهم ماذا تريد القيادة السعودية من لبنان.
شراكة المكونات كمدخل للحل
من هذا المنطلق، تعتبر الرياض أن شراكة المكوّنات اللبنانية في التقاط الفرصة ومواجهة التحديات التي تواجه لبنان شرط أساسي للخروج من الأزمة. من هنا، فإن الرياض تعتبر حزب الله مكوّنًا لبنانيًا معنيًا بأن ينخرط في دعم خيار الدولة والانسجام مع بقية المكوّنات. وهي، وإن تلقت رسائل إيرانية تدعم هذه الوجهة في لبنان، إلا أن الرياض كانت ولا تزال تركّز جهودها على تقوية أسس الشراكة بين جميع تلك المكوّنات، لتعزيز مسار الدولة وتعزيز الفرص السياسية والاقتصادية للبنان في المرحلة المقبلة، وصولًا إلى انسحاب إسرائيل من لبنان بعد أن تضع الحرب أوزارها، من أجل الانخراط في ورشة إعادة الإعمار.
تبدي المملكة الكثير من الحرص على لبنان وعلى “دولة السيادة والقانون والشفافية”، وهي عبارة مفتاحية لأي نشاط سعودي بشأن لبنان.
مقاربة سعودية حذرة تجاه الحرب مع إيران
لا يخرج المسؤولون السعوديون عن قواعد وشروط الحكمة في مواجهة تحديات الحرب الجارية على إيران، ويشدّد هؤلاء على أن الغضب السعودي والخليجي عمومًا من اعتداءات إيران لن يجرّ المملكة نحو خيارات غير مدروسة، بل تنظر وتتحرّك على أسس رؤية مستقبلية لا آنية. وهذا ما يفسّر رفضها للحرب على إيران، لأن مخاطر الحرب وتداعياتها أقسى من مسار التفاوض والبحث عن حلول سلمية، وإن بدت لدى البعض غير منتجة.
الرياض مركز تقاطع إقليمي ودولي
خلاصة القول إن الرياض تتحوّل إلى مركز تقاطع دولي وإقليمي ولبناني، وتلعب دورًا تنسيقيًا من أجل الدفع بمسارات السياسات نحو الحل الآمن والمستدام. وتؤكد المصادر الدبلوماسية أن لبنان أمام ورشة سياسية داخلية عنوانها طمأنة المكوّنات، وهي تخطو نحو الدولة بشروطها التي لم تزل عرضة لسهام المتضررين، وهم موجودون في أكثر من مكان ويمثلون أكثر من جهة في الطبقة السياسية اللبنانية.
اللجنة الخماسية وغطاء الحلول المقبلة
السياسة السعودية ستظل تطرق باب دولة القانون والشفافية في لبنان، وهي تساعد على إنضاجه بحوارات داخلية آتية وبغطاء دولي لا يزال راسخًا وقويًا منذ قيام اللجنة الخماسية، التي تضم، إلى السعودية، مصر وقطر وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية.

