مسيرة حزب الله: كيف تحوَّلت المقاومة من نعمة لبنانية إلى نقمة إيرانية(3): المقاومة كرصيد لبناني وعربي

ياسين شبلي

كانت المرحلة الثانية من مسيرة “حزب الله”، التي امتدت عشر سنوات بدءاً من عام 1990 وحتى عام التحرير 2000، هي مرحلة المقاومة المسلحة ضد إسرائيل في محاولة لتظهيره كمكوّن وطني لبناني، عبر بناء رصيد لبناني وعربي له، وذلك عبر “تلزيمه” – إذا صحّ التعبير – وبشكل حصري هذه المهمة. وقد تزامنت مع بداية تطبيق اتفاق الطائف، حيث تم نزع سلاح الميليشيات كافة باستثناء سلاحه، وذلك بدعم سوري واضح، وغضّ نظر سعودي – عربي ودولي ضمني، وذلك بعد عملية اجتياح العراق للكويت التي أعادت بعض الوهج للنظام السوري، الذي “قبض” ثمن مساهمته في حرب تحرير الكويت وصايةً متجددة في لبنان. فكان إنهاء تمرد العماد ميشال عون على الشرعية اللبنانية في 13 تشرين الأول 1990، وتشديد قبضته على لبنان.

ترافق ذلك مع تطورات إقليمية ودولية تمثلت بسقوط الاتحاد السوفياتي، وبدء عملية السلام بين العرب وإسرائيل في مدريد، وقبلها هزيمة إيران في حربها مع العراق ووفاة آية الله الخميني. كل هذه التطورات دفعت إيران إلى الانكفاء بغية ترتيب بيتها الداخلي، واكتفت بـ”الاستثمار” بذراعها في لبنان، حزب الله، الذي أبلى بلاءً حسناً – للأمانة – في مقاومته ضد الاحتلال، الأمر الذي بدأ يُكسبه تعاطفاً وتأييداً داخلياً وعربياً، خاصة بعد استشهاد أمينه العام السيد عباس الموسوي في ضربة إسرائيلية، وتسلم السيد حسن نصر الله منصب الأمانة العامة للحزب، وهو الذي أظهر مقدرة استثنائية ومهارة قيادية مصحوبة بكاريزما طاغية، كرّستها موهبة خطابية مقنعة ورهيبة تندرج تحت وصف “السهل الممتنع”، بحيث تجمع بين العمق في الطرح والشعبوية في طريقة بلوغ الهدف.

عملية “تصفية الحساب” 1993: تثبيت قواعد الاشتباك

مرّت هذه المرحلة بمحطات عدة، كان أولها ما سُمّي يومها عملية “تصفية الحساب”، وهي عملية اجتياح جوي للبنان قامت بها إسرائيل نهاية شهر تموز من العام 1993. خرج منها حزب الله أكثر قوة وبرصيد أكبر من الشعبية، بعد أن استطاع، وبمواكبة من حكومة الرئيس رفيق الحريري الأولى، انتزاع وقف لإطلاق النار وتحييد المدنيين، مقابل وقف إطلاق الصواريخ على الداخل الإسرائيلي.

لكن هذه العملية خلّفت نوعاً من سوء التفاهم مع الدولة، عندما رفض حزب الله قرار الحكومة بإرسال قوات من الجيش اللبناني إلى الجنوب، وبدأت حملة تخوين بحق الرئيس رفيق الحريري وصلت حد نعته بأنه “مشروع صهيوني” – ما أشبه اليوم مع نواف سلام بالبارحة مع رفيق الحريري -، ما لبث أن تدخل النظام السوري لوقفها، بعد أن سرت أنباء بأن صراع الأجنحة داخله يومها – وكان قد بدأ مع بداية تدهور صحة حافظ الأسد – هو الذي كان وراء قرار الحكومة اللبنانية.

عملية “تصفية الحساب”، وهي عملية اجتياح جوي للبنان قامت بها إسرائيل نهاية شهر تموز من العام 1993. خرج منها حزب الله أكثر قوة

عدوان نيسان 1996 (“عناقيد الغضب”): شرعنة المقاومة

المحطة الثانية كانت عملية “عناقيد الغضب” في نيسان عام 1996، عندما شنت إسرائيل ما عُرف لاحقاً لبنانياً بـ”عدوان نيسان”، في محاولة جديدة لكسر حزب الله، وللأسباب نفسها، وهي إبعاده عن الحدود.

استمرت العملية 16 يوماً، تخللها مجازر عدة، كان أكثرها إيلاماً مجزرة قانا الأولى التي استهدفت موقعاً للقوات الدولية كان مكتظاً بالمدنيين الذين لجأوا إليه. وانتهت، بعد جهود لبنانية جبارة قادها الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع جهات عربية ودولية، بما انتهت إليه سابقتها في العام 1993، أي باتفاق يسمح لحزب الله بالمقاومة ولجيش الاحتلال بالردّ، مع تأكيد تحييد المدنيين من الطرفين، والاكتفاء بضرب المواقع العسكرية الاسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة.

وقد أعطى ذلك شرعية دولية للمقاومة، ما زاد من رصيد حزب الله لبنانياً من كل الطوائف – وإن لم يبلغ حد الإجماع – وعربياً كذلك، أقله على المستوى الشعبي، وذلك بالرغم من الخسائر الكبيرة التي تعرّض لها لبنان وشعبه، سواء في البنية التحتية أو الأملاك الخاصة بالمواطنين. وهو ما حاولت إسرائيل دائماً الضغط عبره على الحكومة اللبنانية، عندما أعلن مسؤولوها مراراً أنهم لن يسمحوا لمشروع رفيق الحريري بالنجاح إذا لم تستقر الأمور في شمال إسرائيل ويتم نزع سلاح حزب الله.

التحول السياسي: رئاسة إميل لحود وتبدّل موازين الداخل

محطة ثالثة سياسية هذه المرة طبعت هذه المرحلة من مسيرة حزب الله، وهي محطة الانتخابات الرئاسية اللبنانية التي أتت بقائد الجيش يومها إميل لحود رئيساً، بعدم رضى كامل من الرئيس رفيق الحريري، وبدعم سوري قوي. الأمر الذي أوحى بأن الملف اللبناني بات بعهدة الجناح الراديكالي في النظام السوري، الذي يمثله بشار الأسد في إطار تهيئته لوراثة والده، وهو ما ترك أثره في السياسة اللبنانية الداخلية وتوازناتها.

ترافق ذلك مع تعثّر عملية السلام بين إسرائيل وكل من لبنان وسوريا، التي فرضت معادلة “وحدة المسار والمصير”، ما أدى إلى رفض سوري – لبناني خطة إسرائيل للانسحاب من جزين أولاً تمهيداً للانسحاب الكامل.

محطة الانتخابات الرئاسية اللبنانية التي أتت بقائد الجيش يومها إميل لحود رئيساً، بعدم رضى كامل من الرئيس رفيق الحريري، وبدعم سوري قوي.

الطريق إلى التحرير 2000: ذروة الصعود

تزامن ذلك مع ازدياد في وتيرة عمليات المقاومة الإسلامية، التي ضغطت لتسريع الانسحاب الصهيوني من الشريط الحدودي بعد 22 عاماً من الاحتلال، فكان التحرير المبارك يوم 25 أيار 2000، ليصل رصيد حزب الله الشعبي إلى مستوى غير مسبوق، ما مهّد الطريق له – ولإيران من ورائه – للانخراط بعدها في محاولة تشكيل صورة لبنان والمنطقة بما يتلاءم مع مصالح هذا الفريق وطموحاته.

السابق
الرئيس عون: التفاوض ليس ضعفاً.. و«لبنان» لم يعد ورقة في جيب أحد
التالي
أدرعي يكشف تفاصيل إنزال جوي في عمق الجنوب تحت اسم عملية «العقاب».. ماذا حصل؟