«حزب الله» بين مطرقة بنت جبيل وسندان واشنطن: انتحار الخيارات في زمن الانكسار

Hezbollah Launcher

يمر «حزب الله» اليوم بمرحلة هي الأقسى والأخطر في تاريخه منذ التأسيس، حيث لم تعد الأزمة مجرد تراجع ميداني أو ضغط ديبلوماسي عابر، بل تحولت إلى «كماشة» استراتيجية تزداد إطباقاً على مفاصله.

فبينما تتهاوى القلاع العسكرية الواحدة تلو الأخرى في الجنوب، يرتسم في واشنطن مسار ديبلوماسي يهدد بنزع ما تبقى للحزب من شرعية سياسية داخلية، مما وضعه في حالة من «الهذيان السياسي» تعكسها لغة التخوين التي يطلقها إعلامه وقادته.

الميدان: سقوط الرمزية و«حرب الصور» الموجعة

في مدينة بنت جبيل، التي كانت تُعد «عاصمة التحرير» ورمزاً للنصر التاريخي في عام 2000، يعيش الحزب اليوم نكبة ميدانية ومعنوية غير مسبوقة. فتداعي الدفاعات الأمامية والتوغل الإسرائيلي لم يقتصر على السيطرة الجغرافية، بل وصل إلى عمق الرمزية التي يقتات عليها الحزب.

وقد شكلت صورة جندي إسرائيلي يتبختر أمام مجسم «شهداء الحزب» في ساحة المدينة ضربة قاصمة لـ «صورة الردع» التي استثمر فيها الحزب لعقود.

هذا الانكسار الميداني لم يترك للحزب خياراً سوى الاستمرار في قتال استنزافي، بدا واضحاً أنه لا يؤدي إلا إلى مراكمة الخسائر في الأرواح والعتاد، دون القدرة على تغيير المسار العام للحرب، وهو ما يضع مقاتليه في مواجهة «محرقة عسكرية» محتومة في ظل تفوق تكنولوجي وجوي كاسح للجانب الإسرائيلي.

نعيم قاسم و«خطاب اللاعودة»: التخوين سلاح العاجز

ديبلوماسياً، كان زلزال واشنطن كافياً ليفقد الحزب صوابه. مشهد السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض وهي تفاوض مباشرة إلى جانب السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، برعاية واشنطن، مثل نهاية حقبة «الوصاية الميدانية» التي فرضها الحزب على القرار اللبناني لسنوات.

وفي محاولة لترميم هذا الانكسار، أطل الأمين العام للحزب نعيم قاسم بخطاب اتسم بـ «الراديكالية اليائسة»، واصفاً محادثات واشنطن بأنها «استسلام مذل» و«خيانة لدماء الشهداء». قاسم، الذي دعا صراحة إلى إلغاء المفاوضات، وجد نفسه يخاطب واقعاً لبنانياً تجاوز لغة التهديد؛ فالإصرار الحكومي اللبناني على المضي في التفاوض كشف أن الحزب بات معزولاً سياسياً، وأن ورقة «حصرية المقاومة» سقطت أمام رغبة الدولة في استعادة قرارها السيادي.

إقرأ أيضا: ما هي أبرز حروب الشيخ نعيم قاسم المحلية والخارجية؟!

إعلام الحزب لم يتأخر عن هذا المنحى، حيث سمى يوم اللقاء بـ «ثلاثاء العار»، وشن هجوماً لاذعاً على ما أسماها «زمرة الحاقدين التاريخيين»، في إشارة إلى القوى السيادية اللبنانية. هذا الخطاب التصعيدي يُفسره المحللون بأنه «صرخة عجز»؛ فالحزب الذي اعتاد فرض معادلاته بالسلاح، يجد نفسه اليوم غير قادر على تعطيل المسار الديبلوماسي الرسمي الذي يحظى بغطاء دولي وعربي واسع.

انعدام الخيارات: القتال من أجل القتال

تُشير المعطيات الحالية إلى أن الحزب بات يفتقر إلى «خطة ب». فالمفاوضات الأميركية-الإيرانية في إسلام آباد، التي راهن عليها طويلاً لتوفير شبكة أمان، تم فصلها رسمياً عن المسار اللبناني، مما ترك الحزب وحيداً في مواجهة استحقاقات الدولة اللبنانية التي تطالب بـ «حصر السلاح».

أمام هذا الواقع، لم يتبقَّ أمام الحزب سوى «خيار الانتحار العسكري» عبر الاستمرار في إطلاق الصواريخ والاشتباكات الميدانية، وهي خيارات لم تعد تخدم أي هدف سياسي سوى تأخير لحظة الحقيقة. فكل رصاصة تُطلق اليوم تزيد من فاتورة الدمار في البيئة الحاضنة، وتعمق الشرخ مع المكونات اللبنانية الأخرى التي سئمت من دفع أثمان مغامرات إقليمية لا ناقة للبنان فيها ولا جمل.

ردود الفعل الرسمية: سقوط جدار الخوف

في المقابل، لم تعد الدولة اللبنانية تلتفت لتهديدات الحزب. المصادر السياسية الرفيعة التي وصفت خطاب الحزب بـ «السوقي والانفعالي»، أكدت أن قطار واشنطن قد انطلق ولن يتوقف عند «محطات التخوين». هذا البرود الرسمي يعكس تحولاً عميقاً في موازين القوى الداخلية؛ حيث فقد السلاح قدرته على الترهيب السياسي أمام حجم الكارثة الإنسانية والانهيار الاقتصادي الذي تسبب فيه الحزب.

لحظة الحساب

يجد «حزب الله» نفسه اليوم أمام «مأزق وجودي»؛ فالسلاح الذي كان يزعم أنه يحمي لبنان، أصبح هو الذريعة لتدميره، والسياسة التي كان يديرها من الضاحية انتقلت إلى عواصم القرار الدولي بعيداً عن مشيئته.

إن استمرار الحزب في المراهنة على القتال في ظل انعدام أفق النصر الميداني والسياسي، لن يؤدي إلا إلى إضعافه أكثر، وربما الوصول إلى لحظة يجد فيها نفسه مضطراً للقبول بشروط هي أقسى بكثير مما هو معروض عليه اليوم على طاولة واشنطن.

إن هزيمة بنت جبيل لم تكن عسكرية فحسب، بل هي سقطة معنوية كشفت عُري «الأسطورة»، بينما يمثل مسار واشنطن «رصاصة الرحمة» على حقبة احتكار القرار الوطني اللبناني.

الحزب اليوم يحارب طواحين الهواء، بينما العالم والدولة اللبنانية يرسمون خارطة طريق لـ «لبنان ما بعد السلاح».

السابق
تكتل دولي يضغط لـ «وقف فوري» للنار في لبنان.. وواشنطن تفتح ممر «الهدنة السيادية» بين بيروت وتل أبيب
التالي
ترامب يُبشر بقرب نهاية الحرب.. و«سنتكوم» تطوق اقتصاد إيران بحصار بحري شامل