لم يكن العلامة السيد محمد حسن الأمين في مسيرتهِ الفكريةِ والإنسانيةِ مجردَ عالمٍ في ميزانِ الفقه، أو أديبٍ يطوِّعُ اللغةَ لخدمةِ البيان، بل كان صيرورةً فكريةً دائمة الحضور، تجاوبت مع آلامِ الناسِ وآمالهم بذكاءٍ متوقدٍ وروحٍ وثابة. لقد مثَّل في وعينا قامةً تجاوزت حدودَ الجغرافيا والمكان؛ فإذا كانت “شقرا” الجنوبيةُ قد شهدت بداياتِ تكوينهِ وطفولتِه وشبابِه، فإنَّ فضاءَ عطائهِ لم يلبث أن اتسعَ ليصبحَ فضاءً عربياً وإسلامياً رحباً. لقد انطلقَ من موقعهِ قاضياً شرعياً في صيدا، ليتركَ فيها بصمةً عميقةً من التأثيرِ والريادة، ومنها إلى بيروت، ومنبرِها الفكريِّ الذي كان محطةً مفصليةً انطلقَ منها إلى العالم؛ حيثُ نجدُهُ حاضراً في سوريا والعراق ومصر والأردن، وفي كبرياتِ المنتدياتِ العالميةِ والقوميةِ والشعريةِ والأدبيةِ والفقهية .
في حضرتِه، كانت تنكسرُ حواجزُ التكلفِ والجمود. لم يكنْ يمارسُ سلطةَ العالمِ على المريد، بل كان يفتحُ قلبهُ قبل عقلهِ للنقاش
إنَّ استحضارَ ذاكرةِ مجلسهِ يُعيدُ إلينا تلكَ اللحظاتِ الوجوديةِ التي كنا نأتيهِ فيها، نحنُ المتعطشينَ لشربِ الحقيقةِ من نبعِ فكرهِ الصافي. كان مجلسُه رحلةً يتوقُ إليها العقلُ، ويطمئنُّ إليها القلب؛ ففي حضرتِه، كانت تنكسرُ حواجزُ التكلفِ والجمود. لم يكنْ يمارسُ سلطةَ العالمِ على المريد، بل كان يفتحُ قلبهُ قبل عقلهِ للنقاش، مستقبلاً أسئلتنا بشغفِ الباحثِ عن المعرفة، ومجيباً عنها برؤيةِ الفيلسوفِ الذي يرى أبعدَ من حدودِ الظاهر. كان فضاءُ مجلسِه يتسعُ لكلِّ فكرٍ حر، حيثُ لا إقصاءَ ولا انغلاق، بل حوارٌ يزاوجُ بين ثقلِ التراثِ وسؤالِ الحداثةِ بجرأةٍ لا تعرفُ المساومة، وفي ذلك التواضعِ الذي اتخذهُ تاجاً لعلمه، كان يمنحنا شعوراً عميقاً بالأمانِ الفكري، حيثُ الكلمةُ الطيبةُ صمامُ أمانٍ، والابتسامةُ الهادئةُ سكينةً تُرمّمُ وجعَ الأيام.
لقد انطفأ سراجُ الجسدِ في عالمِ المادة، لكنَّ “الأمين” ظلَّ طيفاً فكرياً يغادرُ حدودَ الفناءِ ليقيمَ فينا أبداً، يُعلِّمُنا أنَّ الكلمةَ الحرةَ هي أرقى أشكالِ الوجود،
كان مشروعا نهضويا
لم يكتفِ السيدُ بأن يكونَ أستاذاً في محرابِ المعرفة، بل كان مشروعاً نهضوياً بحدِّ ذاته، يحملُ همومَ أوطانهِ في ثنايا قلمه، ويخوضُ في أعقدِ القضايا السياسيةِ، والحوارِ بين الأديان، وإشكالاتِ الدولةِ والدينِ والدولةِ المدنية. لقد نسجَ علاقاتٍ إنسانيةً وفكريةً استثنائيةً مع كبارِ المفكرينَ والأدباءِ والشعراءِ في العالمِ العربي، فكان قطباً في منتدياتِ الفكرِ القوميِّ والشعريِّ والأدبيِّ والفقهي، يطرحُ إشكالياتِ الراهنِ بلغةِ العصر، ويواجهُ الاعوجاجَ السياسيَّ والفكريَّ دونما مساومة. لقد حملَ في وجدانهِ قضيةَ فلسطين، لا كشعارٍ نرددهُ، بل كبوصلةٍ أخلاقيةٍ تقيسُ مدى انحيازنا للإنسانِ المقهورِ في كلِّ مكان.
إنَّ إرثَ “الأمين” لا يكمنُ فقط في مؤلفاتِه التي أثرت المكتبةَ العربيةَ والإسلامية، بل في تلك القامةِ التي بقيت شامخةً في وجهِ كلِّ ما هو زائلٌ أو باهت. إنَّنا اليوم، إذ نستذكرُ حضوره، نجدُ في فكرهِ دربَ الخلاص، طريقاً مرصوفاً بالرجاءِ الذي لا ينقطع. ليبقى “الأمينُ” صوتاً يترددُ في ذاكرتنا، ميزاناً للحق، وشاهداً على زمنٍ كان فيه الأدبُ والصدقُ صنوين لا يفترقان.
كان مشروعاً نهضوياً بحدِّ ذاته، يحملُ همومَ أوطانهِ في ثنايا قلمه، ويخوضُ في أعقدِ القضايا السياسيةِ، والحوارِ بين الأديان، وإشكالاتِ الدولةِ والدينِ والدولةِ المدنية.
لقد انطفأ سراجُ الجسدِ في عالمِ المادة، لكنَّ “الأمين” ظلَّ طيفاً فكرياً يغادرُ حدودَ الفناءِ ليقيمَ فينا أبداً، يُعلِّمُنا أنَّ الكلمةَ الحرةَ هي أرقى أشكالِ الوجود، وأنَّ العالمَ الحقيقيَّ هو مَن لا يغلقُ بابهُ في وجهِ سؤال، ولا يبخلُ بجودِ فكرِهِ على ظمأِ العقول، فكان درساً دائماً في كيفيةِ الصمودِ بالكلمةِ أمامَ عواصفِ الزمانِ المتلاطمة.
في رحابه، كنا نرى “التواضع” سلوكاً، و”الحوار” ثقافةً، و”الوطن” قضيةً أسمى من كلِّ الحسابات. لقد ترك لنا طريقاً ممهداً بالعقلِ والنور، ليبقى سيداً للكلمة، ومرجعاً للفكر، وميزاناً للحق، سلامٌ على روحهِ التي كانتْ ولا تزالُ نبضاً حياً في عقولنا وقلوبنا، وسلامٌ على “الأمين” الذي ظلَّ عنواناً للصدقِ والبيانِ في زمنٍ تلاشت فيه الرؤى وغابت فيه الحقيقة.
سيد الفكر وميزان الروح والبيان
يا لوعة` الفَقْدِ في نَيْسانَ يَشْتَعِلُ
على ضِفافِ الرُّؤى، والدَّمْعُ يَنْهَمِلُ
غابَ “الأَمينُ” وفي الآفاقِ رِفْعَتُهُ
شَمْسُ الجَنوبِ التي بالفِكْرِ تَكْتَمِلُ
يا مَنْ مَلَكْتَ الرؤى والعقل منطقه
في مَجْلِسِ العَلم، حَيْثُ الدُّرُّ يُرْتَجَلُ
كانَتْ خَطابَتُكَ الشَّماءُ بوصلَةً
تَغْزو الظَّلامَ، وفي أَرْجائِهِ تَصِلُ
لُبْنانُ يا وَطناً أَهْدَى مَآثِرَهُ
فَخْراً، وفيكَ صُروحُ العِلْمِ تَنْتَقِلُ
فِلَسْطِينُ في دَفْقِكَ المَسْكونِ ذاكِرَةً
جُرْحٌ يَفيضُ، وفي أَلْحانِهِ الأَمَلُ
رُوحُ العروبة في عينيك مَدْرَسَةٌ`
تُزيلُ رَيْنَ الرَّدَى، والعِلْمُ يَبْتَهِلُ
خُضْتَ الحَياةَ الى العلياء متجهاً`
تنحو سَجايا الوَفَا، والكَوْنُ يَرْتَحِلُ
لَمْ تَنْحَنِ لِرِياحِ الجَوْرِ عاصِفَةً
بَلْ كُنْتَ صَخْراً، وفي إيمانِكَ الجَبَلُ
يا عالماً جَسَد الأرواح في لغةٍ`
دِينٌ وحُبٌّ، وفي أَسْمائِها الزَّجَلُ
أَرْخَيْتَ ظِلَّكَ “لِلأَوْطانِ” تحضنها
دَرْبُ الخَلاصِ، ومِنْكَ العَقْلُ يَنْتهَلُ
مِيزانُ حَقٍّ `سما للحر مَسْكَنُهُ
فيكَ الحُضورُ وفيك الحب يكْتَمِلُ

