تحمل حقيبة النازح في لبنان تاريخاً مثقلاً بالحروب، لكنها في الوجدان الشيعي تحديداً، تحولت من مجرد انتقال جغرافي هرباً من الموت إلى “هوية صمود” قسرية، تشكلت ملامحها عبر عقود من النار والدمار.
منذ بداية الصراع مع إسرائيل، لم يكن النزوح مجرد حدث عابر، بل كان عملية اقتلاع ممنهجة أعادت رسم الخريطة الديمغرافيّة والاجتماعيّة للبنان، وصولاً إلى النزوح الأخير عام 2026، الذي يُعد الأقسى والأكثر وجعاً في تاريخ الطائفة والوطن.
جذور المأساة: من الليطاني إلى “تموز”
بدأت قصة النزوح الكبرى عام 1978 في عملية “الليطاني”، حيث هُجّر آلاف الجنوبيين من قرى الحافة الحدودية باتجاه بيروت، لتنشأ “أحزمة البؤس” حول العاصمة.
تراكمت هذه التجربة في اجتياح 1982، الذي وصل فيه النازحون إلى قلب بيروت والجبل، ليجد الشيعي نفسه “لاجئاً في وطنه” لأول مرة بشكل واسع.
ومع حرب تموز 2006، نضجت تجربة النزوح تنظيمياً، حيث استوعبت البيئة الشيعية الصدمة من خلال التكافل العائلي والحزبي، وفتحت مناطق الجبل والشمال أبوابها في لحظة تضامن وطني نادرة.
لكن مع كل حرب، كان “تراكم النزوح” يترك ندوباً لا تندمل. النازح لم يعد يفقد جدران منزله فحسب، بل بات يفقد “الأمان المستقبلي”.
ومع تكرار إعادة الإعمار ثم التدمير، تولدت حالة من الاستنزاف النفسي والمادي جعلت من “فعل العودة” واجباً مقدساً ممزوجاً بالمرارة.
دولة غائبة ومؤسسات عاجزة
في كل المحطات، كانت الدولة اللبنانية هي الغائب الأكبر، أو الحاضر “المتقاعس”. لم تضع الحكومات المتعاقبة خطط طوارئ حقيقية، بل تركت النازحين لمصيرهم وللمبادرات الفردية والمساعدات الدولية الخجولة. مراكز الإيواء، التي غالباً ما تكون مدارس رسمية متهالكة، تفتقر إلى أدنى مقومات الكرامة الإنسانية.
وهنا برز دور المؤسسات الحزبية، ولكن تجلّت في هذا النزوح الأخير لحظة الحقيقة القاسية لحزب الله؛ فبينما كان الحزب يفاخر دائماً بقدراته التنظيمية الفائقة ومؤسساته البديلة التي تفوق قدرة الدولة، وقف اليوم شبه عاجز أمام تدفق بشري هائل تجاوز قدرة استيعابه “اللوجستية” والمالية.
إقرأ أيضا: سيكولوجيا الوهم: كيف تُهزم الشعوب وتحتفل بالنصر؟
لقد تسببت استراتيجية “وحدة الساحات” والانهيار الاقتصادي السابق للحرب في تجفيف الموارد التي كانت تُستخدم تاريخياً لامتصاص نقمة النزوح، مما كشف البيئة الشيعية أمام العراء السياسي والاجتماعي.
ولأول مرة، لم تعد مؤسسات الحزب قادرة على تقديم أكثر من “الحد الأدنى” للبقاء، في حين أن الدمار الشامل الذي طال القرى والمدن جعل من وعود “إعادة الإعمار” عبئاً ثقيلاً قد لا يقوى الحزب على حمله بمفرده هذه المرة.
هذا العجز لم يكن تقنياً فحسب، بل كان عجزاً في الرؤية، إذ وجد الحزب نفسه يحاول إدارة كارثة إنسانية بـ “عقلية عسكرية”، بينما كان ناسه يبحثون عن مأوى يحميهم من ذلّ الحاجة ومن “فوبيا” الشركاء في الوطن.
النزوح الأخير: الوجع الأكبر والبيئة المتروكة
يُصنف النزوح الأخير (2024-2026) بأنه الأكثر إيلاماً لعدة أسباب؛ أولها الانهيار الاقتصادي السابق للحرب، الذي جعل اللبناني “بلا مدخرات” وبلا قدرة على استئجار منزل بأسعار خيالية. النازح اليوم لا يواجه الطائرات فحسب، بل يواجه الجوع والبرد في مراكز إيواء مكتظة تفتقر للخصوصية.
والشعور بأن الشيعة “متروكون لمصيرهم” بات طاغياً؛ فالحلفاء الإقليميون بعيدون، والداخل اللبناني منهك، والمجتمع الدولي يرى في النازح “بيئة حاضنة للقتال” أكثر منه ضحية مدنية.
فوبيا النازح: لماذا يخاف اللبنانيون؟
يبرز سؤال حساس ومؤلم اليوم: لماذا يخاف عموم اللبنانيين من النازح الشيعي؟ هذا الخوف ليس نابعاً بالضرورة من كره طائفي، بل هو مزيج من “الخوف الأمني” و”الخوف الديمغرافي”.
يخشى البعض من أن وجود النازحين قد يستدرج غارات إسرائيلية إلى مناطقهم الآمنة، كما يخشون من أن النزوح الطويل قد يتحول إلى “توطين مستتر” يغير توازنات القوى المحلية.
هذا القلق تغذيه الخطابات السياسية التحريضية، وحالة الاستقطاب الحاد حول “جدوى الحرب” وقرار السلم والحرب.
دور حزب الله: بين الحماية والكارثة
لا يمكن قراءة هذه الكارثة بمعزل عن دور حزب الله. فبينما يراه أنصاره “حامياً” و”منظماً” لشؤونهم في النزوح، يرى قطاع واسع من اللبنانيين (وحتى بعض البيئة النازحة سراً) أن الحزب هو المسؤول عن استدراج هذه الكارثة عبر ربط الساحة اللبنانية بساحات إقليمية.
الكارثة الأخيرة كشفت أن قدرة الحزب التنظيمية، رغم قوتها، عجزت عن احتواء حجم النزوح الهائل والدمار الشامل، مما وضع “البيئة الحاضنة” في مواجهة مباشرة مع الفقر والتشرد، وسط تساؤلات صامتة حول ثمن “وحدة الساحات”.
كرامة تحت الأنقاض
إن تجربة النزوح الشيعي في لبنان هي صرخة مكتومة ضد واقع يفرض على الإنسان أن يبدأ من الصفر كل عشر سنوات. النازح اليوم يبحث عن خيمة أو غرفة تحميه، لكنه يبحث أكثر عن “وطن” لا يضطر فيه للمفاضلة بين كرامته السياسية وأمانه الجسدي. إن استمرار تقاعس الدولة، وخوف الشركاء في الوطن، وتفرد القوى الحزبية بالقرارات المصيرية، يجعل من هذا النزوح جرحاً وطنياً غائراً، قد لا يلتئم حتى لو توقفت المدافع وعاد الناس إلى ركام بيوتهم. فإعادة إعمار الحجر سهلة، أما إعادة بناء الثقة بالوطن وبالآخر، فهي المعركة الأصعب التي خسرها الجميع في هذا النزوح الأخير.

