لم يكن الماضي بريئًا كما نحب، ولا الحاضر مذنبًا كما نشتهي…
الماضي… فقط، لا يدافع عن نفسه،
لذلك نُحمّله كل ما نريد من فضائل،
ونُعفيه من كل ما لا يُناسب صورتنا….
نقول: كان الناس أبسط، وكان الدين أخفّ، وكانت القلوب أوسع…
وننسى أن الذين عاشوا هناك
لم يكتبوا عن أنفسهم كما نكتب نحن الآن……
نحن لا نتذكّر الماضي… نحن نُعيد تأليفه….
نحذف منه الصراخ،نلطّف قسوته،
نُهذّب تناقضاته، ثم نضعه في إطار ذهبي،،ونعلّقه على جدار الحنين.
وعندما ننتهي… نلتفت إلى الحاضر، ونقول له بثقة العارفين:
أنت لست منّا….
الحاضر، المسكين، لم يُمنح فرصة التجميل بعد….
هو عارٍ، مباشر، صاخب… يقول ما لا نحب، ويفعل ما لا نستطيع تبريره. لذلك نُسارع إلى اتهامه:
هذا ليس ديننا…
هذا ليس وجهنا… هذا ليس ما كنّا عليه. لكن الحقيقة أقل درامية بقليل… وأكثر إزعاجًا…
الدين لا يتغيّر وحده،،نحن الذين نبدّل ملامحه، ثم نستغرب انعكاسنا في المرآة….
نريده مرّةً طمأنينة، ومرّةً راية،
ومرّةً سكينًا أنيقًا نُخفيه تحت العباءة…
نبحث في التاريخ عن أئمة يشبهون مزاجنا: إذا خفنا… أحببنا الصلح، وإذا غضبنا… مجّدنا الخروج، وإذا تعبنا… قلنا: كانوا حكماء أكثر منّا….
والحقيقة؟…
أننا لا نقرأهم… نستخدمهم.
لا الماضي قدّيس، ولا الحاضر شيطان…
هما فقط… مرآتان، واحدة مكسوّة بالغبار، والأخرى ما زالت قيد الكسر….
يا صديقي، المشكلة ليست في التشيّع، ولا في غيره…
المشكلة في هذه الرغبة القديمة
أن نختصر كل شيء… في حكاية واحدة مريحة. حكاية نكون فيها دائمًا على حق، ودائمًا… مظلومين.
لهذا،، كلما اشتدّ النقاش، وارتفعت الأصوات، وتكاثرت “السرديات”…
أبتسم قليلًا، وأفكّر… ربما…
الله لا يتدخّل، لأنه لم يُستشر أصلًا.

