ترامب يحرج محمد بن سلمان..ويفتح باب الأسئلة حول علاقة واشنطن بالرياض

عبد المنعم يوسف

في مشهد جديد يعكس لسان حال السياسة الأمريكية ذات النَّفَس الاستعلائي والاحتقاري تجاه حلفائها في دول التعاون الخليجي، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات حادة ومحرجة طالت وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال كلمته في مؤتمر مالي لصندوق الاستثمار السيادي السعودي عُقد يوم أمس الجمعة في ميامي بيتش.

ترامب أطلق أمام الحضور عبارات وقحة غير مسبوقة تجاه ولي العهد السعودي، قائلاً:

«لم يكن يظن أن الأمر سيحدث. لم يتخيّل أنه سيضطرّ إلى تقبيل مؤخرتي أبداً. كان يعتقد أنني سأكون مثل سائر الرؤساء الأمريكيين الخاسرين، على رأس بلدٍ في انحدار. وها هو الآن يجد نفسه مضطرّاً لأن يكون لطيفاً معي. قولوا له إن عليه أن يكون لطيفاً معي — عليه أن يكون كذلك».

ترامب، الذي عُرف بخطابه الفجّ والنابي والصلف، وأيضاً باستخدامه السخرية كسلاح سياسي، بدا وكأنه يستعرض من جديد موقع واشنطن ويريد ان يتحكّم في إيقاع العلاقات مع الرياض، لا سيما بعد سلسلة الأزمات التي ربطت الطرفين خلال السنوات الأخيرة.

وفي تصريح آخر خلال المناسبة نفسها، قال الرئيس الأمريكي: لقد أنقذنا إسرائيل، ولقد أنقذنا الشرق الأوسط!

لكن المفارقة أن هذه الجملة جاءت في وقت لم يكن ترامب — على ما يبدو — على علم بأنّ 12 جندياً أمريكياً قد أُصيبوا في هجوم إيراني على قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، بينهم جنديان بجروحٍ خطيرة.

وفي سياق موازٍ، أعلن الحوثيون — وهم حركة شيعية يمنية مدعومة من إيران — عن تنفيذ أول هجوم لهم على إسرائيل منذ اندلاع الحرب بين طهران وتل أبيب، ما يُنذر بفتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط، في حين يتفاخر ترامب بـ«إنقاذه» المنطقة من الفوضى.

بين التباهي الأمريكي والصمت السعودي

تأتي تصريحات ترامب في لحظة حساسة بالنسبة للقيادة السعودية، التي تواجه تصعيداً عسكرياً في محيطها وتحديات اقتصادية متزايدة، وتكشف لهجة ترامب اللاأخلاقية والمتعجرفة كمنهجٍ مستمر في السياسة الأمريكية، تقوم على معادلة الحماية مقابل الخضوع السياسي والاقتصادي.

ورغم أن ترامب اعتاد استخدام الأسلوب الاستفزازي لكسب التأييد الداخلي، فإن محاولة السخرية من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في محفل عام مرتبط مباشرة بالسعودية تُعدّ رسالة ضمنية بأن ميزان القوة لا يزال يميل بوضوح نحو واشنطن.

أما في حسابات الواقع، فتصريحات من هذا النوع لن تمرّ دون أصداء في الرياض وفي العالم العربي والإسلامي، اللذين يعملان منذ سنوات على تنويع تحالفاتهما وتخفيف اعتمادهما على المظلة الأمريكية.

انتقاد في الغرب

بالرغم من الجرح النفسي العميق الذي تسببت به، بشكل مؤكد، تصريحات ترامب المهينة في الكبرياء السعودية، إلا أنه من المتوقع أن يلتزم المسؤولون السعوديون الصمت حيال تصريحات ترامب، وذلك التزاماً بسياسة ضبط النفس المعهودة في مواجهة التصريحات الأمريكية الحساسة، خصوصاً تلك الصادرة من شخص يُتقن توظيف الاستفزاز السياسي لأغراض انتخابية داخلية.

على الجانب الآخر، قد تجد التصريحات طريقها سريعاً إلى وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية التي درجت على انتقاد العلاقة الخاصة بين واشنطن والرياض، معتبرةً أنّها تقوم على تبادل المصالح مقابل التغاضي عن انتهاكات أو ممارسات مثيرة للجدل.

في الوقت نفسه، قد تُثير هذه الحادثة مزيداً من التساؤلات داخل العواصم الخليجية حول حدود «الثقة» في الالتزامات الأمريكية تجاه أمن المنطقة، في ظل الصعود المتسارع لكلٍّ من الصين وروسيا كخيارات بديلة في موازين التحالفات الإقليمية.

تأثير تصريحات ترامب على مستقبل اتفاقات أبراهام

ضمن كلامه خلال ذات المؤتمر، أشار ترامب إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان قد وعده شخصياً، خلال “زيارة الدولة” التي قام بها مؤخراً إلى واشنطن، بالانضمام إلى “اتفاقات أبراهام” للسلام مع إسرائيل، كما فعلت سابقاً كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والأردن. لكنه أخلف وعده بشكل مستمر، مؤجلاً ذلك من شهرٍ إلى آخر. ونصحه بأن يفعل ذلك في أقرب وقت ممكن.

غير أن الواقع الحالي المستجد، على ضوء الحرب الشرسة القائمة في الخليج العربي، التي اندلعت نتيجة العدوان الإسرائيلي والأمريكي على إيران، وعلى ضوء الهجمات الإيرانية العنيفة على القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة في الكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية وسلطنة عمان، والأضرار الجسيمة التي ضربت البنى التحتية والحياة والاقتصاد في دول التعاون الخليجي، كُشفت حقيقةً مُرّة ومخيبة، هي عدم تمكن الدول الخليجية المعتدى عليها من استخدام الأسلحة الأمريكية للدفاع عن نفسها، أو حتى الرد على الهجمات الإيرانية، بالرغم من مئات المليارات من الدولارات التي أُنفقت على شراء هذه الأسلحة.

وقد حمل هذا الواقع العديد من المسؤولين في هذه الدول إلى التفكير جدياً في مدى فعالية “اتفاقات أبراهام” للسلام وفوائدها، أم أنها أضعفت الأنظمة السياسية في هذه الدول.

السابق
تعبنا من النجاة…
التالي
الجيش اللبناني ينعى عنصراً جراء غارة إسرائيلية على كفرتبنيت