لم يعد المشهد السياسي في العراق يحتمل التأويل أو التجميل. فالانسداد الذي يضرب مؤسسات الدولة بلغ مرحلة غير مسبوقة، مع عجز واضح للسلطتين التنفيذية والتشريعية عن إدارة البلاد في لحظة مصيرية. هذا الواقع دفع مئات الكتّاب والمثقفين والمواطنين إلى المطالبة بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، في مؤشر خطير على تآكل الثقة الشعبية بالنظام السياسي برمّته.
فشل البرلمان الاتحادي في تشكيل حكومة جديدة بعد أكثر من خمسة أشهر على الانتخابات، يقابله شلل موازٍ في إقليم كردستان، حيث لم يتمكن برلمان الإقليم من تشكيل حكومة رغم مرور نحو عام ونصف العام. هذا العجز المزدوج يعكس أزمة بنيوية عميقة، حيث تحوّلت المؤسسات إلى ساحات صراع سياسي بدل أن تكون أدوات حكم.
ورغم نفي مجلس القضاء الأعلى أي قرار بحل البرلمان، فإن مجرد تداول هذه المطالب بهذا الزخم يعكس حقيقة واحدة: الشرعية السياسية في العراق باتت موضع شك واسع.
ساحة حرب مفتوحة
بالتوازي مع الانهيار السياسي، يتحول العراق بسرعة إلى ساحة مواجهة مفتوحة في الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة وإيران. فقد أعلنت السفارة الأميركية تعرض مصالحها ومواطنيها لهجمات واسعة من قبل جماعات موالية لطهران، فيما ردّت واشنطن، بالتنسيق مع إسرائيل، بسلسلة ضربات جوية مكثفة استهدفت مواقع “الحشد الشعبي”، بل وطالت الجيش العراقي نفسه.
هذا التصعيد لم يعد مجرد رسائل متبادلة، بل بات مواجهة فعلية على الأرض العراقية، حيث تتداخل مواقع الجيش والفصائل المسلحة، ما يجعل أي ضربة تحمل خطر الانفجار الشامل.
اللافت أن واشنطن تتهم بغداد بعدم التعاون في تزويدها بمواقع انتشار قواتها، في حين ترد الحكومة العراقية باحتجاجات دبلوماسية واستدعاء السفراء. هذا التناقض يكشف هشاشة السيادة العراقية، حيث الدولة عاجزة عن ضبط أراضيها أو حتى إدارة التنسيق العسكري على أرضها.
الحبانية… نموذج الانفجار الأمني
تشكل ضربة قاعدة الحبانية غرب الأنبار أمس، مثالاً صارخاً على خطورة المرحلة. فقد أسفر القصف الاميركي عن مقتل وإصابة عدد من العسكريين العراقيين، في هجوم استهدف منشأة طبية، ما اعتبرته وزارة الدفاع انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية.
لكن خلف هذا المشهد الإنساني، تكمن حقيقة أكثر تعقيداً: القاعدة نفسها تضم مواقع للجيش وأخرى لـ“الحشد الشعبي”، ما يجعلها هدفاً عسكرياً في نظر واشنطن. هذا التداخل بين الدولة والفصائل المسلحة يحوّل كل منشأة إلى ساحة اشتباك محتملة، ويضع العراق أمام معادلة قاتلة: لا حرب معلنة، ولا سلم فعلي.
تكرار الضربات خلال أقل من 24 ساعة، وسقوط قيادات ميدانية، يؤكد أن التصعيد ليس عابراً، بل جزء من استراتيجية أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك داخل العراق.
اقتصاد ينهار: النفط رهينة الحرب
إذا كان الأمن يتفكك، فإن الاقتصاد يسير في الاتجاه نفسه. فقد تراجع إنتاج النفط العراقي بشكل حاد، مع انخفاضه بنسبة تصل إلى 80% في بعض الحقول الجنوبية، نتيجة تعطل التصدير عبر مضيق هرمز.
هذا الانهيار النفطي يشكل ضربة قاصمة لاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على العائدات النفطية. ومع امتلاء الخزانات وعجز البلاد عن التصدير، يدخل العراق مرحلة اختناق اقتصادي قد تكون تداعياتها أخطر من المواجهة العسكرية نفسها.
العراق بين دولتين: سلطة ضعيفة وسلاح منفلت
في الخلاصة، يبدو العراق اليوم وكأنه يعيش بين نظامين متوازيين: دولة رسمية عاجزة، ومنظومة مسلحة تملك القرار الفعلي على الأرض. هذا الانقسام الداخلي هو ما يفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية، ويحوّل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي.
المعضلة الحقيقية لا تكمن فقط في القصف الأميركي أو هجمات الفصائل، بل في غياب قرار وطني موحد قادر على ضبط هذا التناقض. فالعراق لا يُستهدف فقط لأنه ضعيف، بل لأنه منقسم على نفسه.
إلى أين يتجه العراق؟
المؤشرات الحالية لا توحي بانفراج قريب. فالتصعيد العسكري مستمر، والانسداد السياسي يتعمّق، والاقتصاد يتراجع بوتيرة خطيرة.
العراق اليوم يقف على حافة خيارين لا ثالث لهما: إما استعادة الدولة لقرارها وسيادتها، أو الانزلاق الكامل إلى نموذج الدولة الفاشلة، حيث تتحكم الحروب بالسياسة، ويصبح الوطن مجرد ساحة لتصفية الحسابات.

