الممر السوري اللبناني: قراءة في البعد التاريخي والمبررات الاقتصادية والاستراتيجية للخطوط  البديلة للامداد بالنفط

حارث سليمان

في ظل التصعيد المستمر في منطقة الخليج العربي وتزايد التهديدات التي تستهدف مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، يبرز سؤال استراتيجي محوري: هل يمكن لمنطقة شرق المتوسط، وتحديداً سوريا ولبنان، أن تشكّل الممر البديل الذي يضمن أمن إمدادات الطاقة العالمية؟ هذا السؤال لم يعد مجرد فرضية أكاديمية، بل بات يفرض نفسه بقوة على طاولة التخطيط الاستراتيجي لكل من الدول المستوردة للنفط والشركات العالمية العاملة في قطاع الطاقة.
ما يعزز هذا الطرح اليوم هو التحول الكبير في المشهد السياسي السوري، حيث لم تعد سوريا تخضع للعقوبات الدولية في ظل إدارة الرئيس أحمد الشرع، مما يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة وإعادة إدماجها في منظومة الاقتصاد الإقليمي والدولي. هذا المتغير الجيوسياسي الحاسم يخلق فرصة تاريخية لإحياء مشاريع الطاقة العابرة للحدود التي ظلت أسيرة الاعتبارات السياسية لعقود.
 
أولاً: البعد التاريخي – جذور فكرة الممرات النفطية عبر بلاد الشام.
 

  1. خط كركوك – بانياس- طرابلس : إرث تاريخي يستحق الإحياء
    تعود فكرة ربط حقول كركوك العراقية بسواحل المتوسط إلى ثلاثينيات القرن العشرين، عندما أنشئ خط أنابيب كركوك – حيفا (1935) بطول 942 كم. لكن النكبة الفلسطينية عام 1948 أدت إلى تحويل مساره نحو سوريا وصولاً إلى ميناء بانياس، ثم امتد لاحقاً إلى طرابلس اللبنانية.
    هذا الخط، الذي توقف عن العمل بشكل كامل بعد عام 2003، كان يمتلك قدرة نقل تصل إلى 300 ألف برميل يومياً . وقد كشفت التصريحات الرسمية الأخيرة أن العراق يسعى اليوم إلى إعادة تأهيل هذا الخط بشكل متكامل. ففي مارس 2026، أعلن وزير النفط العراقي حيان عبد الغني أن المفاوضات بين العراق وسوريا بشأن تشغيل خط كركوك-بانياس تتجه نحو إعادة بناء خط متكامل وليس مجرد إصلاح الخط القديم .
    ما يميز هذا المسار هو:
    · يعتمد على الجاذبية الأرضية في جزء كبير منه، مما يقلل تكاليف الضخ.
    · يمر عبر مناطق مأهولة وذات بنية تحتية خدمية متوفرة جزئياً.
    · يصل إلى موانئ مياه عميقة (بانياس وطرابلس) قادرة على استقبال الناقلات العملاقة.
     
    إقرأ أيضا :مراكز الإيواء في «قبضة الأحزاب»: شهادات نازحين تكشف فوضى الإدارة وسرقة المساعدات في الحمرا
  2. خط التابلاين: التجربة السعودية عبر الأردن وسوريا
    في منتصف القرن العشرين، أنشئ خط أنابيب التابلاين (Trans-Arabian Pipeline) لنقل النفط السعودي من حقول الظهران إلى ميناء صيدا اللبناني عبر الأردن وسوريا. عمل الخط بين عامي 1950 و1983 بطاقة 500 ألف برميل يومياً.
    هذه التجربة التاريخية أثبتت جدوى الممر البديل، لكنها توقفت لأسباب سياسية وأمنية بحتة، وليس لأسباب فنية أو اقتصادية. مع تغير الظروف السياسية اليوم، يمكن إحياء هذا المسار أو تطوير مسارات مشابهة تخدم المصالح المشتركة لدول الخليج والمشرق العربي.
     
    ثانياً: المبررات الاقتصادية – لماذا يحتاج العالم إلى هذا الممر؟.
     
  3. تخفيف الضغط عن مضيق هرمز
    مضيق هرمز هو أضيق نقطة في سلسلة إمدادات النفط العالمية، حيث يمر عبره يومياً نحو 17 مليون برميل من النفط الخام. أي إغلاق له، حتى لفترة قصيرة، سيؤدي إلى:
    · ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة.
    · اضطراب سلاسل التوريد العالمية.
    · تأثر الاقتصادات الكبرى، خصوصاً الدول الأوروبية والآسيوية المستوردة.
    وجود ممرات برية عبر الأنابيب إلى المتوسط يوفر بديلاً استراتيجياً لاوروبا يقلل الاعتماد على هذا الممر المائي المهدد.
  4. العوائد الاقتصادية الضخمة للعراق والدول العابرة
    بحسب تصريحات رسمية من هيئة الاستثمار الوطنية العراقية، فإن مشروع إنشاء ممر تصدير جديد عبر المتوسط يمكن أن يحقق للعراق عائدات سنوية تصل إلى نحو 25 مليار دولار . هذا الرقم يعكس الأهمية الاقتصادية الهائلة للمشروع، ليس فقط للعراق بل لجميع الدول التي ستمر عبرها خطوط الإمداد.
    إضافة إلى ذلك، فإن إعادة تأهيل المصفاتين على الساحل اللبناني (مصفاة طرابلس ومصفاة الزهراني) سيشكل عنصراً حيوياً في هذه المنظومة. فالمصفاتان، بعد تأهيلهما وتحديثهما، يمكن أن:
    · تستقبل النفط الخام القادم عبر الأنابيب لتكريره محلياً.
    · تزوّد السوق اللبنانية والإقليمية بالمشتقات النفطية.
    · تعمل كمحطات تصدير متكاملة للنفط المكرر إلى الأسواق الأوروبية.
    · توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف اللبنانيين.
  5. تقليل تكاليف الشحن وزمن الوصول
    النفط الذي يصل إلى الموانئ اللبنانية أو السورية يكون أقرب إلى الأسواق الأوروبية بحوالي 6,000 كم مقارنة بالشحن من الخليج العربي حول أفريقيا أو عبر قناة السويس. هذا يعني:
    · خفض تكاليف الشحن البحري بنسبة تصل إلى 30%.
    · تقليل زمن الرحلة من 30-40 يوماً إلى 5-7 أيام فقط.
    · خفض الانبعاثات الكربونية الناجمة عن النقل البحري الطويل.
  6. تنويع مصادر الإيرادات لدول العبور
    إقامة خطوط الإمداد هذه ستدرّ إيرادات ضخمة على الدول العابرة (العراق، الأردن، سوريا، لبنان) من خلال:
    · رسوم العبور (حقوق المرور).
    · فرص التشغيل والصيانة.
    · تطوير المناطق الصناعية واللوجستية حول مراكز التوزيع والموانئ.
    · إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة.
     
    ثالثاً: المبررات الاستراتيجية – من منظور الأمن القومي والإقليمي.
     
  7. تنويع مسارات الإمداد للعراق ودول الخليج
    العراق، الذي يمتلك رابع احتياطي نفطي في العالم، يعاني من هشاشة مسارات تصديره الحالية:
    · موانئ الخليج (البصرة) تمر عبر مضيق هرمز.
    · خط كركوك – جيهان التركي متوقف بسبب نزاع مالي وقانوني .
    · التصدير عبر سوريا ولبنان يمنح العراق منفذاً بحرياً ثالثاً يزيد من مرونته الاستراتيجية.
    تخطط العراق حالياً لإنشاء خط أنابيب من البصرة إلى حديثة بطاقة 2.25 مليون برميل يومياً، كمرحلة أولى من مشروع متكامل يهدف إلى نقل وتصدير النفط عبر موانئ جيهان وبانياس وطرابلس .
  8. الأمن الطاقوي الأوروبي
    أوروبا تستورد نحو 30% من احتياجاتها النفطية من الخليج العربي. أي اضطراب في مضيق هرمز سيضرب قلب الاقتصاد الأوروبي. لذلك، فإن تأمين ممر بديل عبر شرق المتوسط يمثل:
    · أولوية استراتيجية للاتحاد الأوروبي.
    · فرصة لتعزيز الشراكة مع دول المشرق العربي.
  9. إعادة تأهيل البنية التحتية السورية واللبنانية كمشروع إقليمي
    الدمار الذي طال البنية التحتية في سوريا، والإهمال الذي أصاب المرافق اللبنانية، يجعلان من مشروع خطوط الإمداد هذه فرصة ذهبية لإعادة الإعمار عبر:
    · استثمارات دولية ضخمة في شبكات الأنابيب والموانئ.
    · خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
    · إعادة دمج سوريا ولبنان في منظومة الاقتصاد الإقليمي.
    مع رفع العقوبات عن سوريا، تتحول هذه الفرصة من مجرد احتمال نظري إلى مشروع قابل للتنفيذ على أرض الواقع.
     
    رابعاً: آفاق التعاون الإقليمي والدولي – شراكة عراقية فرنسية لبنانية كويتية.
     
  10. التحركات العراقية الرسمية
    أظهرت التصريحات الرسمية العراقية الأخيرة جدية واضحة في دفع هذا الملف. فوفقاً لتصريحات مستشار وزير النفط العراقي عبد الباقي خلف، هناك محاولات متعددة لإعادة تفعيل خط النفط العراقي مع سوريا (كركوك-بانياس)، لكن تقادم الأنابيب يتطلب تقييماً تقنياً جديداً .
    كما أشار المتحدث باسم هيئة الاستثمار الوطنية إلى أن العراق حصل بالفعل على موافقة الحكومات السابقة في سوريا ولبنان على هذا المشروع . مع الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، يمكن تحويل هذه الموافقات إلى عقود تنفيذية ملموسة.
  11. الدور الفرنسي المحتمل
    فرنسا تملك حضوراً تاريخياً في قطاع الطاقة في كل من العراق ولبنان وسوريا. شركات مثل توتال إنرجي لديها:
    · استثمارات ضخمة في حقول النفط والغاز العراقية.
    · خبرة عالمية في بناء وتشغيل خطوط الأنابيب الطويلة.
    · علاقات متميزة مع المؤسسات المالية الدولية التي يمكنها تمويل المشروع.
    الشراكة الفرنسية يمكن أن تشمل:
    · تمويل إعادة تأهيل خطوط الأنابيب بتكلفة تقدر بنحو 8 مليارات دولار .
    · تقديم الخبرات الفنية في مجال التكرير وتحديث مصفاتي طرابلس والزهراني.
    · المساهمة في بناء محطات ضخ وتخزين متطورة.
  12. الشراكة الكويتية
    الكويت، بصفتها دولة خليجية رئيسية مصدرة للنفط، يمكن أن تستفيد من هذا الممر كمسار بديل لصادراتها النفطية، خصوصاً في حال تعطل مضيق هرمز. مجالات التعاون الكويتي تشمل:
    · المشاركة في تمويل المشروع عبر الصندوق الكويتي للتنمية.
    · الاستفادة من الخبرات الكويتية في مجال صناعة النفط والغاز.
    · تعزيز التكامل الاقتصادي بين دول الخليج والمشرق العربي.
  13. التعاون اللبناني
    لبنان، عبر مصفاتي طرابلس والزهراني، يمكن أن يكون المحطة النهائية لهذه الإمدادات. إعادة تأهيل هاتين المصفاتين تتطلب:
    · شراكة مع شركات فرنسية وعراقية وكويتية للتحديث والتشغيل.
    · تطوير مرفأ طرابلس ليكون قادراً على استقبال الناقلات العملاقة.
    · إنشاء منطقة حرة في طرابلس لتكرير وتجارة المشتقات النفطية.
  14. المشاريع التكاملية المقترحة
    بناءً على التصريحات الرسمية والدراسات الفنية، يمكن تصور حزمة متكاملة من المشاريع تشمل:
    المشروع التكلفة التقديرية الطاقة الاستيعابية الشركاء المحتملون
    خط كركوك-بانياس (إعادة بناء متكامل) 8 مليارات دولار  300-500 ألف برميل/يوم العراق، سوريا، فرنسا
    خط البصرة-حديثة (المرحلة الأولى) غير محددة 2.25 مليون برميل/يوم  العراق، تحالفات دولية
    تأهيل مصفاة طرابلس 1-2 مليار دولار 100-150 ألف برميل/يوم لبنان، فرنسا، الكويت
    تأهيل مصفاة الزهراني 1-2 مليار دولار 80-100 ألف برميل/يوم لبنان، العراق، السعودية
    خط التابلاين (تأهيل جزئي أو كامل) 3-5 مليارات دولار 500 ألف برميل/يوم السعودية، الأردن، سوريا، لبنان.
     
    خامساً: التحديات – ما الذي يمنع هذا الحل الآن؟.
     
  15. التكلفة التمويلية الضخمة
    تشير التقديرات إلى أن إعادة بناء خط كركوك-بانياس وحده قد يكلف نحو 8 مليارات دولار . هذا المبلغ يتطلب:
    · تعاوناً مالياً بين الدول المعنية.
    · مشاركة مؤسسات تمويل دولية (البنك الدولي، صندوق النقد، البنك الأوروبي لإعادة الإعمار).
    · صيغ تمويل مبتكرة (BOT، PPP).
  16. البنية التحتية المتقادمة
    الأنابيب الحالية تعود لعقود مضت، وتحتاج إلى:
    · استبدال كامل أو إعادة تأهيل بتقنيات حديثة.
    · أنظمة مراقبة وتحكم رقمية.
    · حماية أمنية متطورة ضد التخريب والسرقة.
  17. التوازنات الدولية والصراع على النفوذ
    شرق المتوسط أصبح مسرحاً للتنافس الدولي، وهناك قوى قد لا ترغب في رفع الاعتماد عن مضيق هرمز لأسباب استراتيجية تتعلق بسيطرتها على الملاحة البحرية. كما أن:
    · إيران، التي تهدد بإغلاق هرمز، لن ترى بعين الرضا تطوير ممرات بديلة.
    · الولايات المتحدة لديها مصالح استراتيجية في الحفاظ على هرمز كممر رئيسي.
    · روسيا لديها مشاريع طاقة بديلة قد تتنافس مع هذا الممر.
  18. الاستقرار الأمني والسياسي
    المشاريع الاستراتيجية الكبرى تتطلب:
    · استقراراً طويل الأمد في المنطقة.
    · ضمانات دولية بعدم تعطيل المشروع.
    · آليات تسوية النزاعات بين الدول المعنية.

    إقرأ أيضا: طرد السفير الإيراني من بيروت: لحظة اشتباك سيادي أم بداية كسر المحرّمات؟
     
    سادساً: هل الأزمة هي الفرصة؟
     
    ربما تكون الأزمة هي الفرصة الحقيقية لتفعيل هذا الممر التاريخي. فالأزمات الكبرى غالباً ما تخلق:
    · إرادة سياسية غير مسبوقة لتجاوز الخلافات.
    · تمويلات طارئة من المؤسسات الدولية لضمان أمن الطاقة.
    · مرونة في المواقف تجاه الدول التي كانت مقاطعة سياسياً.
    ما يعزز هذه الفرصة اليوم هو ثلاثة متغيرات رئيسية:
  19. رفع العقوبات عن سوريا: مع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى الحكم، أصبحت سوريا مؤهلة للاستثمارات الدولية وإعادة الإعمار.
  20. الجدية العراقية: التصريحات الرسمية العراقية تشير إلى أن المشروع يحظى بأولوية عليا، مع خطط متكاملة تمتد من البصرة إلى المتوسط .
  21. الاحتياج الأوروبي: مع استمرار التوترات في أوكرانيا والشرق الأوسط، تبحث أوروبا عن مصادر بديلة ومتنوعة للطاقة.
     
    خاتمة: الممر البديل ليس خياراً بل ضرورة.
     
    في عالم تتشابك فيه أمن الطاقة مع الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي، فإن الاعتماد على شريان واحد (مضيق هرمز) يشكل نقطة ضعف استراتيجية كبرى. إحياء الممر السوري اللبناني كبديل لنقل النفط والغاز من العراق والكويت والسعودية إلى المتوسط ليس مجرد فكرة طارئة، بل هو:
    · ضرورة اقتصادية: لتأمين إمدادات الطاقة العالمية بأسعار معقولة.
    · ضرورة استراتيجية: لتنويع مسارات التصدير وتجنب نقاط الاختناق.
    · ضرورة تنموية: لإعادة إعمار سوريا ولبنان وربطهما بالاقتصاد العالمي.
    · ضرورة تاريخية: لإحياء مسارات التعاون الإقليمي التي أثبتت جدواها عبر العقود.
    مع توفر الإرادة السياسية (بعد رفع العقوبات عن سوريا)، والجدية العراقية (مع الخطط المتكاملة والتصريحات الرسمية)، والخبرات الفرنسية، والقدرات المالية الكويتية، والموقع الاستراتيجي اللبناني (مع مصفاتي طرابلس والزهراني)، لم يعد السؤال ما إذا كان العالم سيحتاج إلى هذا الممر، بل متى سيبدأ العمل الفعلي على تنفيذه.
    السؤال الحقيقي اليوم هو: هل ستكون أزمة مضيق هرمز المقبلة هي الدافع الذي يعيد فتح هذه الشرايين الحيوية؟ أم أن الحكمة الاستباقية ستسبق الأزمة وتوفر الممر البديل قبل فوات الأوان؟

     هذه ليست رؤية استراتيجية تستند إلى الحقائق التاريخية والاقتصادية والتطورات السياسية الأخيرة في المنطقة فحسب، بل دعوة إلى حوار جاد حول مستقبل أمن الطاقة في المنطقة والعالم.
السابق
الجيش الإسرائيلي يزعم استهداف محطات وقود خاضعة لسيطرة «الحزب».. وزارة الصحة 1072 شهيداً حصيلة العدوان
التالي
علي الأمين: لبنان في «مواجهة وجودية».. حرب اقتصادية وتدمير ممنهج للجنوب تحت غطاء «غياب الحلول»