عندما يصوّب المفتي الشيخ أحمد قبلان على رئيس الجمهورية، محذراً إياه من تجاوز الرئيس نبيه بري، معتبراً أن حصول ذلك هو تجاوز للميثاقية، ومهدداً بالويل والثبور على لبنان، فذلك مؤشر واضح على أن مستجداً حصل في العلاقة بين الرئاسة الأولى والثانية، بعد الود الذي جمع الرئيسين طيلة المرحلة الماضية، ترجمتها حالة انسجام على صعيد قرارات مجلس الوزراء، في التعيينات الإدارية والعسكرية والأمنية، إلى تعويضات مجلس الجنوب، إلى الحدّ الذي جرى الحديث فيه عن حلف الرئاستين الأولى والثانية في مواجهة الرئاسة الثالثة.
ملف التفاوض مع إسرائيل… بداية البرود بين الرئاستين
الجديد بين الرئاستين بدا بالظهور مع تولي رئيس الجمهورية ملف التفاوض مع إسرائيل، لا سيما بعد تعيين السفير سيمون كرم رئيساً مدنياً للجنة الميكانيزم، ويبدو أن الحذر “البري” تفاقم مع نشوب الحرب الجارية بعد إطلاق الصواريخ الستة من قبل حزب الله في الثاني من الشهر الجاري، والتي تلاها مبادرة الرئيس جوزاف عون الذي دعا إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وهذا ما رفضه بري بداية، داعياً إلى العودة إلى لجنة الميكانيزم كوسيلة تفاوض بشروط “اتفاق وقف الأعمال العدائية”.
وما لبث قبل يومين أن عاد وعبّر عن موقف جديد، خلاصته أن موقفه إيجابي من مبادرة الرئيس عون، لكن “تعيين مفاوض شيعي في الوفد المزمع، يتطلب وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى بيوتهم”.
المعلومات تشير إلى أن رئيس الجمهورية، الذي دفع سياسياً محلياً ودولياً ما وُصف بأنه بالغ في مراعاة حزب الله، واتُّهم بأنه كان متلكئاً في عملية الدفع باتجاه “حصرية السلاح” خلال أكثر من عام من ولايته، بات اليوم أمام مفترق حاسم، لا سيما بعد الخطأ الجسيم الذي ارتكبه حزب الله وورّط لبنان في حرب إسرائيلية على لبنان، وبعد تلقيه تطمينات من الرئيس بري نفسه بأن الحزب لن يبادر إلى حرب بسبب الحرب على إيران.
بري بين فقدان الدور والتصاقه بخيارات الحزب
الأسباب التي تزيد من برود العلاقة بين الرئيسين عون وبري، هي شعور الرئيس بري بأنه لم يعد المقرر في شأن التفاوض مع إسرائيل، ولم يعد صندوق البريد الملحّ دولياً لتوجيه الرسائل إلى حزب الله وإيران على هذا الصعيد.
في المقابل، أدرك رئيس الجمهورية أنه لا يمكنه الاستمرار في سياسة تؤول في مساراتها إلى حسابات إقليمية، فيما لبنان يتعرض لأكبر هجمة تدميرية على مستويات عدة، وغير مسبوقة في مخاطرها.
المعلومات تشير إلى أن رئيس الجمهورية بات اليوم أمام مفترق حاسم، لا سيما بعد الخطأ الجسيم الذي ارتكبه حزب الله وورّط لبنان في حرب إسرائيلية جديدة
الافتراق بين عون وبري يتسع طالما بقي الرئيس بري مراهناً على دور إيراني ضمني في التفاوض، فهو مثلاً لم يصدر أي بيان يستنكر إطلاق الصواريخ الستة، وبدا أكثر التصاقاً مع خيارات حزب الله بعد الحرب، لذا سيحاول رفع منسوب الشروط بشأن التفاوض مع إسرائيل، في محاولة لإحراج رئيس الجمهورية.
عون أمام الخيار الحاسم… وبري أمام اختبار الطائفة
يبقى أن الرئيس عون أصبح أمام خيارين، إما اتخاذ خطوات عملية على هذا الصعيد، وبالتنسيق مع رئيس الحكومة، يضع الجميع أمام المسؤولية الوطنية التي يفرضها مسار الحرب الجارية، أو رمي الكرة في ملعب الرئيس بري بالامتناع عن التفاوض بالشروط التي يفرضها ميزان القوى.
عملياً، يدرك الجميع أن الحرب، وإن كانت تطال لبنان، فإن النكبة الفعلية تطال الشيعة بوجه خاص، فهل لدى الثنائية الشيعية، وعلى رأسها الرئيس بري، ما يضمن تحقيق وقف إطلاق نار جديد، قبل تدمير ما تبقى من قرى جنوبية، وقبل تهجير ما بقي فيها من سكان؟

