خلف غبار الغارات وأصوات الانفجارات التي لا تهدأ، بدأت تخرج إلى العلن موجة من الصراخ المكتوم لمواطنين جنوبيين يعبّرون عن نقمة متزايدة تجاه الواقع المرير الذي فرضته الحرب على قراهم وأرزاقهم.
هذه الصرخات، التي بدأت تتردد في مراكز النزوح وبين ركام المنازل، تعكس حالة من الرفض لسياسة “زج لبنان” في صراع يرى كثيرون أن البلاد لا تملك مقومات الصمود فيه.
“لا ناقة لنا فيها ولا جمل”
في أحاديث يملؤها القهر، يتساءل نازحون من القرى الأمامية عن الجدوى من تحويل مناطقهم إلى ساحة مواجهة مفتوحة. “خسرنا بيوتنا وتعب العمر في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل”، هكذا يختصر أحد أبناء قرى قضاء صور المشهد، معبّراً عن استياء عميق من قرارات “الربط الميداني” التي أدت إلى استدراج القصف الإسرائيلي نحو الأحياء السكنية والمنشآت المدنية.
وانتشرت على مواقع التواصل مشاهد محزنة لإمرأة فقدت منزلها وهي تقول “بيتي مش فدا حدا” لتحكي قضية مأساوية يعانيها الجنوبيون الذين فقدوا أرزاقهم ومنازلهم في حرب ليست حربهم.
نقمة على “الحزب” وسياسات التفرد
وتتجه أصابع الاتهام في كثير من المجالس الجنوبية نحو “حزب الله”، حيث يحمّله قطاع من الأهالي مسؤولية الانفراد بقرار الحرب والسلم. وتتصاعد حدة الانتقادات لتطال غياب الدولة اللبنانية عن القيام بدورها، وترك الجنوبيين لمصيرهم تحت وطأة “حروب الوكالة” التي استنزفت البشر والحجر، وأدت إلى تدمير القطاعات الحيوية، لا سيما القطاع الزراعي الذي يمثل شريان الحياة في الجنوب.
واقع معيشي منهار
هذه النقمة ليست سياسية فحسب، بل هي نتاج واقع معيشي أصبح “مستحيلاً”؛ فمع تزايد أعداد النازحين وضيق سبل العيش في مراكز الإيواء، يشعر المواطن الجنوبي بأنه يدفع الثمن الأكبر نيابة عن أجندات إقليمية. ويرى منتقدون أن الشعارات التي ترفعها “المقاومة” لم تعد قادرة على إطعام العائلات المشردة أو إعادة إعمار ما تهدم، في ظل انهيار اقتصادي وطني شامل.
مطالبات بتحييد المدنيين
وتتعالى الأصوات المطالبة بضرورة وقف هذا المسار التصعيدي فوراً، وتفعيل دور الجيش اللبناني والشرعية الدولية لحماية ما تبقى من القرى الجنوبية. ويردد الكثيرون في الجنوب اليوم عبارة “بدنا نعيش”، كصرخة احتجاج ضد استسهال تحويل بيوتهم إلى متاريس ومناطقهم إلى ساحات رماية، مؤكدين أن الانتماء للأرض لا يعني القبول بدمارها من أجل صراعات تتجاوز حدود الوطن.

