نعيم قاسم وصواريخه الستة: بيان إنكار بعد إشعال الحريق

الشيخ نعيم قاسم

لو كان المنطق كائناً حيّاً، لكان قد طلب اللجوء السياسي بعد الخطاب الأخير. ستة صواريخ تُطلق، جبهة تشتعل، بلد يتهجّر، ثم يخرج صاحب القرار، الشيخ نعيم قاسم، المفدّى ليشرح لنا بهدوء أن ما حدث لا علاقة له بما حدث.

ليست الصواريخ السبب، بل الردّ على الصواريخ هو المشكلة. ليست الشرارة هي التي أشعلت النار، بل النار كانت تخطّط لنفسها منذ زمن، والصاعق مجرّد تفصيل رومانسي في القصة.

منطق العالم الموازي

في هذا العالم الموازي، تتحوّل المبادرة إلى (دفاع وجودي)، والقرار الأحادي إلى (حق مشروع)، وأي سؤال بسيط عن التوقيت أو الكلفة إلى طعنة في الظهر.

إذا سألت: لماذا الآن؟ تصبح متآمراً. إذا سألت: من قرر؟ تصبح مشككاً. وإذا سألت: من يدفع الثمن؟ يُطلب منك أن تصفّق للكرامة.

الخطاب يقوم على معادلة سحرية: نحن نطلق، إذن نحن نردّ. هم يقصفون، إذن هم يعتدون. وبين الفعل والنتيجة فجوة يُفترض أن يملأها التصفيق. لا حديث عن حسابات ميزان القوى، لا قراءة لواقع دولة منهكة، لا اعتراف بأن قرار الحرب والسلم في الأنظمة الطبيعية يمرّ عبر مؤسسات، لا عبر منصة خطاب.

التهجير… من المسؤول؟

يستنكر التهجير، وكأن القرى قررت فجأة أن تجرّب حياة النزوح للسياحة. يحزن على البيوت المهدّمة، لكن لا يشرح لماذا تحوّلت البيوت إلى عناوين عسكرية في نزاع مفتوح. يطالب الدولة بأن تتحمّل مسؤولياتها، بينما يحتفظ حزبه بمفاتيح القرار السيادي.

الخطاب يقوم على معادلة سحرية: نحن نطلق، إذن نحن نردّ. هم يقصفون، إذن هم يعتدون. وبين الفعل والنتيجة فجوة يُفترض أن يملأها التصفيق.

دولة مطالبة بالدفع، وحزب يحتفظ بحق الإشعال. إنها شراكة من نوع فريد: أحدهم يضغط الزرّ، والآخر يوقّع الفاتورة.

وحين يضيق المنطق، تتّسع البلاغة: (دفاع وجودي)، (أمانة)، (استماتة)، (لن نستسلم). كلمات كبيرة، لكنها لا تجيب على سؤال صغير: ما الخطة؟ لأن بين شعار المواجهة واستراتيجية المواجهة مسافة بحجم بلد. الشعار يحتاج حنجرة، أما الاستراتيجية فتحتاج حساباً دقيقاً للكلفة والنتائج. والنتائج هنا ليست نظرية: تهجير، خسائر، اقتصاد يتآكل، مجتمع يُطلب منه أن يتحمّل بصمت.

النقد تهمة جاهزة

الأكثر إثارة للسخرية أن النقد يُعامل كخيانة، كأن الوطنية شهادة حسن سلوك تُمنح حصرياً لمن يوافق.

في السياسة الحديثة، النقد هو صمّام أمان. أما تحويله إلى جريمة معنوية فهو إعلان غير مباشر بأن النقاش خطر أكبر من الصواريخ.

ينفي ارتباط المعركة بسياقات أوسع، لكنه يستحضر الإقليم كلما احتاج جرعة تعبئة إضافية. يقول إنها معركة لبنان فقط، لكن قاموسها مستورد بالكامل من خرائط أكبر. هذا ليس تناقضاً عابراً، إنه أسلوب إدارة خطاب: باب للداخل، وباب للخارج، وممرّ طوارئ للإنكار.

دولة مطالبة بالدفع، وحزب يحتفظ بحق الإشعال. إنها شراكة من نوع فريد: أحدهم يضغط الزرّ، والآخر يوقّع الفاتورة.

الوجود فوق فوهة بركان

التهكّم الحقيقي لا يحتاج شتيمة، يكفي أن نعيد ترتيب الجمل كما قيلت: (أطلقنا لكننا لم نبدأ). اشتعلت الجبهة لكن لا علاقة لنا. تهجّر الناس لكن السبب ليس قرارنا. نريد الوحدة لكن بشروطنا. نريد الدولة قوية لكن خارج قرارها.

يا شيخ نعيم، إذا كان (الدفاع عن الوجود) يعني أن يبقى البلد دائماً على حافة الاشتعال، فالمفهوم يحتاج مراجعة، لأن الوجود لا يُحمى بتعليقه فوق فوهة بركان، بل ببناء مؤسسات قادرة على قول نعم أو لا باسم الجميع، لا باسم فريق.

بين الوعد والمحاسبة

في النهاية، يمكن لأي قائد أن يعد بالاستمرار إلى أبعد الحدود. الوعد الأسهل دائماً هو وعد المواجهة، والأصعب هو وعد المحاسبة. وبين خطاب يُجيد تحويل كل نتيجة إلى مؤامرة، وكل سؤال إلى طعنة، يبقى الواقع أقل بلاغة وأكثر قسوة. الأوطان لا تُدار بالشعارات، بل بالمسؤولية، وأخطر ما في الخطاب ليس صوته المرتفع، بل ثقته بأن الناس ستنسى ترتيب الأحداث كما حصل فعلاً…

السابق
بالصورة والفيديو: غارة إسرائيلية هدمت جزئيا مبنى بالشويفات
التالي
بيان المنبر الوطني للإنقاذ: “بلغ السيل الزبى” يا حزب الله