دخل لبنان يومًا جديدًا من المواجهة المفتوحة، مع توسّع غير مسبوق في رقعة الغارات الإسرائيلية التي طالت الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بالتوازي مع توغلات برية محدودة في البلدات الحدودية، في مشهد يعيد رسم خطوط الاشتباك ويضع البلاد أمام أخطر اختبار أمني منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024.
إنذارات علنية… وغارات بلا إنذار
صباحًا، وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي تحذيرًا مباشرًا لسكان جنوب لبنان دعاهم فيه إلى التوجه فورًا إلى شمال نهر الليطاني، معتبرًا أن “أنشطة حزب الله تجبر الجيش على العمل بقوة”. وترافقت التحذيرات مع خرائط تحدد مباني في الضاحية الجنوبية، ولا سيما في أحياء حارة حريك والحدث والليلكي، طُلب من سكانها الإخلاء لمسافة لا تقل عن 300 متر.
لكن وتيرة الاستهداف لم تلتزم دائمًا بالإنذارات المسبقة. ففي مدينة صور، استهدفت غارة عنيفة شارع الدينية من دون سابق إنذار، ما أدى إلى سقوط جرحى وفق معلومات أولية، فيما طالت غارات أخرى محيط السرايا الحكومية في النبطية ومحلة بئر القنديل، إضافة إلى أطراف بلدات في قضاء صور ومنطقة الزهراني.
توغّل بري… وعمق سكني لأول مرة
ميدانيًا، أفادت مصادر أمنية عن توغل إسرائيلي في أطراف الخيام وحولا ويارون وكفركلا والقوزح ومزرعة سردا، بعمق تراوح بين مئات الأمتار وكيلومترين. كما سُجل تقدم من جهة بسطرة نحو أطراف كفرشوبا – رباع التبن، بمؤازرة آليات عسكرية وجرافات.
وفي تطور لافت، تحدثت معلومات إعلامية عن دخول قوة إسرائيلية إلى بلدة الخيام وتمركزها أمام مبنى البلدية، ما يجعلها أول بلدة ذات عمق سكني تشهد انتشارًا مباشرًا للقوات الإسرائيلية في هذه الجولة.
أكثر من مئة هدف… وتعزيز على الحدود
الجيش الإسرائيلي أعلن أنه قصف أكثر من مئة هدف خلال أربع وعشرين ساعة، مشيرًا إلى إعادة نشر الفرقة 146 على الحدود الشمالية وتعزيز قواته هناك. كما أفاد مصدر إسرائيلي بأن صاروخًا أُطلق من البحر أدى إلى مقتل رضا خزاعي.
في المقابل، أعلن حزب الله تنفيذ سلسلة عمليات ردًا على ما وصفه بـ“العدوان المجرم”، بينها استهداف مقر شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) وسط فلسطين المحتلة، وقاعدة عين شيمر للدفاع الجوي شرق الخضيرة، وقاعدة تل هشومير جنوب شرق تل أبيب، إضافة إلى قاعدة حيفا البحرية، عبر مسيّرات انقضاضية. كما أعلن استهداف ناقلة جند إسرائيلية في حولا.
الجيش اللبناني بين التزام القرار والواقع الميداني
من جهته، أكد الجيش اللبناني متابعته تنفيذ قرارات السلطة السياسية “بما يراعي المصلحة الوطنية العليا”، معلنًا التنسيق مع قوات اليونيفيل ولجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية، وإعادة تموضع لبعض النقاط الحدودية ضمن الإمكانات المتاحة. كما أعلن توقيف 26 شخصًا لضبطهم بحوزتهم أسلحة وذخائر بصورة غير قانونية.
بين تحذيرات الإخلاء وتكثيف الغارات والتوغلات المحدودة، يقف لبنان على حافة مرحلة أكثر خطورة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية بالإشارات السياسية، ويُعاد اختبار معادلة الردع على وقع نار مفتوحة بلا سقف واضح.

