ليست المسألة ثلاثمئة ألف ليرة على صفيحة البنزين. الرقم ليس مجرد رقم، بل هو انعكاس لعقلية السلطة في لبنان. سلطةٌ تتقاسم المناصب والوجاهة، وتترك المواطن وحده يدفع الثمن.
عندما وُلدت حكومة سلام، توقّع اللبنانيون خطوات إصلاحية فعلية. توقّعوا خطةً تضع حدًا لانهيار العملة، وتضبط الأسعار، وتحمي الفئات الأضعف. لكن ماذا حصل؟ فشلٌ مستمر، سياساتٌ نصفية، ووعودٌ لم تُترجم إلى واقع. اختار الوزراء الاستمرار في إدارة الأزمة بالحد الأدنى، بلا رؤية واضحة، ولا إجراءات حقيقية، وكأن البلد مجرّد لعبة تُدار وفق مصالحهم الشخصية.
إدارة الأزمة بلا رؤية
ارتفاع أسعار المحروقات لم يكن مفاجئًا. الجميع كان يعلم أن الأزمة المالية والفساد المزمن سيقودان إلى هذه النتيجة. ومع ذلك، لم تُحرّك الحكومة ساكنًا. لا خطة لنقل عام فعّال، ولا ضبط لهوامش الأرباح، ولا رقابة جدية على المستوردين، ولا أي خطوة لكسر حلقة الغلاء والتضخم.
المواطن يدفع الثمن وحده. التاجر يرفع السعر خوفًا من الغد. المستورد يحمّل الزيادة مضاعفة. صاحب المولد الكهربائي يرفع فاتورته. المزارع يدفع أكثر لتشغيل مضخته. سلسلة مترابطة من الغلاء تتوالد يوميًا، وتُنتج مزيدًا من الفقر والعجز.
في المقابل، يجلس الوزراء خلف مكاتبهم، يبرّرون الفشل بتقلب الأسعار العالمية أو بأسباب خارج إرادتهم، متجاهلين مسؤوليتهم المباشرة في إدارة الاقتصاد وحماية المجتمع.
موارد مهدورة… وفرص ضائعة
تتجاهل السلطة أن لبنان يمتلك موارد يمكن استثمارها لتخفيف العبء عن المواطن وسد العجز في الميزانية. فالكسارات يمكن أن تتحوّل إلى مورد ثابت بعائدات منتظمة إذا خضعت لإدارة شفافة. كما يمكن تنظيم استثمار الأملاك البحرية والنهرية بطريقة قانونية وعادلة تعود بالنفع على الخزينة العامة.
لكن هذه الإمكانات تُهدر، بينما المواطن يدفع الثمن يوميًا.
كل زيادة في أسعار المحروقات تضاعف معاناة اللبنانيين. رغيف الخبز يتحوّل إلى هاجس يومي. الدواء يصبح رفاهية. الكهرباء متاحة فقط لمن يستطيع الدفع. المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة مختلّة، فيما تتخلّى الدولة عن دورها الاجتماعي، وتكشف السلطة عجزها السياسي على أرض الواقع.
ثلاثمئة ألف ليرة ليست رقمًا عابرًا؛ إنها شرارة في اقتصاد هش، وضغط إضافي على عائلة لا يكفي راتبها لأكثر من أسبوعين. دوّامة الفشل مستمرة، والإصلاح الحقيقي مؤجّل، فيما تحافظ السلطة على مصالحها السياسية والشخصية على حساب حياة الناس.
حدّ أدنى من الكرامة
المواطن لم يعد يطالب بالمستحيل. يطالب بحد أدنى من الكرامة:
رقابة فعلية على الأسعار.
شبكة أمان اجتماعي حقيقية.
خطة اقتصادية واضحة المعالم.
استثمار شفاف لموارد الدولة.
وحكومة تتحمّل مسؤولية كل قرار اقتصادي تتخذه.
بين صفيحة البنزين ورغيف الخبز، يعيش اللبناني انهيار الدولة على جسده يوميًا.

