يترأس الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم الخميس الاجتماع الأول لـ “مجلس السلام”، في خطوة تمثل تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الأزمات الدولية.
وبينما يُنظر إلى المجلس كأداة قوية لإنهاء الصراعات بأسلوب “الصفقات”، يرى فيه معارضون محاولة لتقويض الأمم المتحدة وتكريس نهج “الاستعمار الحديث” تحت غطاء إرساء السلام.
ما هو “مجلس السلام”؟.. البديل الطموح للأمم المتحدة
ولدت فكرة المجلس من رحم خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة (سبتمبر الماضي)، لكن طموحات ترامب لم تقف عند حدود القطاع؛ إذ أعلن توسيع صلاحيات المجلس لتشمل النزاعات العالمية الكبرى.
أبرز ملامح الميثاق:
- عضوية “المليار”: في سابقة دبلوماسية، ينص ميثاق المجلس على أن العضوية الدائمة تُشترى بتمويل قدره مليار دولار، بينما تقتصر العضوية العادية على ثلاث سنوات.
- سلطات مطلقة للرئيس: يتمتع ترامب بصفته رئيساً للمجلس بسلطات تنفيذية واسعة، تشمل حق النقض (الفيتو) على القرارات وصلاحية عزل الأعضاء.
- القيادة التنفيذية: يضم المجلس أسماء وازنة ومقربة من ترامب، مثل ماركو روبيو، ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، بالإضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
خارطة الانقسام الدولي: من انضم ومن رفض؟
أفرز المجلس خارطة تحالفات جديدة؛ حيث سارعت 20 دولة للانضمام كأعضاء مؤسسين، من بينها قوى إقليمية بارزة مثل السعودية، إسرائيل، قطر، مصر، الإمارات، تركيا، والأردن.
في المقابل، شكل الرفض الغربي والـ “بريكس” جبهة مضادة؛ حيث أعلنت بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، والاتحاد الأوروبي عدم الانضمام حفاظاً على دور الأمم المتحدة. كما رفضت قوى الجنوب العالمي مثل البرازيل والهند وجنوب أفريقيا الانخراط في المبادرة، منتقدة غياب التمثيل الفلسطيني وتجاوز المؤسسات الدولية التقليدية، فيما فضلت الصين وروسيا البقاء في مربع “الامتناع” والترقب.
غزة: “تفويض انتقالي” وقوة استقرار دولية
حصل المجلس على “شرعية مؤقتة” من مجلس الأمن الدولي في نوفمبر الماضي، عبر قرار صاغته واشنطن يعترف به كإدارة انتقالية لغزة.
- المهام: وضع إطار إعادة الإعمار وتنسيق التمويل حتى إصلاح السلطة الفلسطينية.
- القوة العسكرية: فوض القرار مجلس السلام بنشر “قوة استقرار دولية” في غزة حتى نهاية عام 2027.
- الرقابة: يلتزم المجلس بتقديم تقرير دوري لمجلس الأمن كل ستة أشهر.
انتقادات حادة: “صفقات” أم “استعمار”؟
لم يسلم المجلس من هجوم حقوقي وقانوني شرس، حيث تركزت الانتقادات على النقاط التالية:
- الغياب الفلسطيني: كيف يُمكن لمجلس أن يدير أراضٍ فلسطينية دون وجود ممثل عن أهلها؟
- شبهة الاستعمار: وصف خبراء إشراف ترامب على أراضٍ أجنبية بأنه ممارسة تعيد للأذهان الحقبات الاستعمارية.
- تضارب المصالح: انتقادات واسعة لضم إسرائيل إلى مجلس مكلف بإدارة غزة التي دمرتها الحرب، مما يضع نزاهة العملية برمتها على المحك.
- شبح العراق: أثار وجود توني بلير مخاوف نظراً لتاريخه في حرب العراق، مما اعتبره البعض استعادة لسياسات “الإمبريالية” القديمة.
اجتماع الخميس: مَن حضر بصفة “مراقب”؟
ورغم الرفض الرسمي للعضوية، حضرت دول كبرى بصفة “مراقب” لاستكشاف النوايا، ومن أبرزها اليابان، كوريا الجنوبية، الهند، وبريطانيا. ويناقش الاجتماع في بنوده الأولى ملفات حيوية تشمل نشر قوة الاستقرار في غزة وآليات توزيع المساعدات الإنسانية، وسط تساؤلات حول كيفية مواءمة هذه القرارات مع القانون الدولي.
ويمثل “مجلس السلام” المقامرة الأكبر لترامب في السياسة الخارجية؛ فإما أن ينجح في فرض “سلام الصفقات” والتمويل المباشر، أو يتحول إلى كيان موازٍ يزيد من حدة الاستقطاب العالمي ويُضعف ما تبقى من هيبة للمنظمات الدولية.

