دفاعاً عن الدبلوماسية

Lebanese Army and Hezbollah (1)

دخل “حزب الله” حرب إسناد غزة  بخلفيةٍ دينية وسياسية، تقول بأن السلاح وحده كفيل بردع أي عدوان، قبل أن يتبين لاحقاً عدم واقعية هذه المقولة وأنها تحتاج إلى مراجعة نقدية جدية. فقد انتهت الحرب بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، من دون تحقيق مكاسب ملموسة توازي حجم التضحيات.

ومن دون الدخول في تفاصيل الاتفاق، الذي ينصُ على انسحاب جميع الميليشيات بما فيها “الحزب” وتسليم سلاحه جنوب نهر الليطاني، وهي خطوة شكلت نقطة تحول جذرية سمحت للدولة اللبنانية بإعادة طرح الدبلوماسية كخيار استراتيجي ممكن، بل كأفضل الممكن، لحماية المصلحة الوطنية وإدارة الصراع مع إسرائيل، بمساندة أصدقاء لبنان، وصولاً إلى تنفيذ كامل لبنود الاتفاق والانسحاب الإسرائيلي. ومن دون ان نتجاوز سياق التطورات في المنطقة المتجهة صوب تكريس الاستقرار الاقليمي.

غير أن رفض اسرائيل الالتزام بموجبات الاتفاق، واستمرارها في استهداف مواقع ل”حزب الله” بذريعة منعه من استعادة قدراته، دفع الحزب وأنصاره إلى التهكم والاستخفاق بالدبلوماسية والتشكيك بقدرتها على تحقيق الأهداف المرجوة، متناسين أن التجربة نفسها أثبتت عجز السلاح عن حماية لبنان من اكلاف الحرب.

الدولة تحمي

وقبل الخوض في مفهوم الردع بمعناه الواسع، وقبل تطبيقه على الحالة اللبنانية، لا بد من التمييز الفعلي بين مسألتين غالباً ما يجري الخلط بينهما وهما تحرير الأرض من الاحتلال، وحماية الدولة وأمنها. فعندما يحتل جيشٌ ما أراضي دولةٍ أخرى، تنشأ مقاومةٌ شعبية هدفها الأساسي تحرير الأرض، وقد أثبتت تجارب عديدة أن مثل هذه المقاومات قادرة، بإمكانات عسكرية متواضعة، على استخدام تكتيكات حرب العصابات لتستنزف العدو وتدفعه إلى الانسحاب.

أما حماية الدولة، فهي مسألة مختلفة وأكثر تعقيداً، ولا يمكن اختزالها بقدرة مقاومة او ميليشيا مسلحة، مهما بلغت إنجازاتها في التحرير، إذ تتطلب دولة قائمة بمؤسساتها، وحكومة تتحمل المسؤولية، وجيشاً شرعياً، إضافة إلى شبكة علاقات دولية وتحالفات، وتمسّك بالقانون الدولي. بهذه الوسائل والامكانات تحمي الدول أمنها القومي، وتكرس بقاءها واستقرارها، لا بالشعارات ولا بالمغامرات، هذه هي العقلانية التي تحدث عنها فخامة الرئيس جوزاف عون او التي قصدها.

وانطلاقاً من هذا التمييز، يصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم الردع الذي قيل إن “حزب الله” فرضه على إسرائيل، إذ أثبتت التجربة أن الفارق كبير بين اقتراض للردع وبين تحققه الفعلي على أرض الواقع. فما إن اشتعلت الحرب، حتى بادرت إسرائيل إلى تنفيذ سلسلة من العمليات الأمنية والعسكرية التي كشفت تفوقاً نوعياً واضحاً على مختلف المستويات بينها وبين محور الممانعة.

فقد الاسرائيليون أخطر عملية أمنية في تاريخ المواجهة، تمثّلت في عملية “البيجر”، التي فاقت كل التصورات، وسقط  خلال ثوانٍ معدودة آلاف القتلى والجرحى من الكادر النوعي لـ”حزب الله”، وترافقت مع اغتيالات واستهدافات طالت قادة بارزين في صفوفه في عمق الجنوب والضاحية، من دون أن يقابل ذلك أي رد فعلي يوازي حجم الضربة أو يغيّر في مسار المواجهة. وهو ما أعاد طرح سؤال الردع بجدية هل كان هذا الردع موجوداً فعلاً، أم أنه لم يكن سوى نتاج ظروف خاصة وحسابات مؤقتة لدى العدو، تبددت فور تغيّر تلك الظروف؟ او عندما توفرت لها الذريعة، هذا من دون التقليل من تضحيات مقاتلي الحزب الذين واجهوا في القرى الامامية بشجاعة لافتة.

الدبلوماسية كقوة بديلة

تجدر الإشارة إلى أن اتفاق وقف الأعمال العدائية تمّ في عهد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وهي حكومة كانت مدعومة بالكامل من “حزب الله” وحلفائه، وقد جاء هذا الاتفاق بعد حرب دامت نحو شهرين، وانتهت بنتائج عسكرية وسياسية واقتصادية كارثية، فرضت لاحقاً على الدولة اللبنانية التعامل مع تداعياتها القاسية.

أمام هذا الواقع، لم يجد لبنان خياراً سوى اعتماد النهج الدبلوماسي كأفضل أسلوب يمنع تجدد الحرب من جهة، ويفتح الباب أمام لبنان لطلب المساعدة الخارجية لإعادة بناء مؤسساته واستعادة سيادته، في مواجهة تفوق إسرائيلي غير مسبوق عسكرياً وأمنياً وتقنياً واقتصادياً، مدعوماً بغطاء أميركي وغربي واضح.

فالحرب ليست دائماً الخيار الأنسب، بدليل أن دولاً كبرى تلجأ إلى الوسائل السلمية والدبلوماسية للدفاع عن مصالحها. فالصين، على سبيل المثال، تطالب بعودة تايوان إلى كنفها، لكنها لا تشنُ الحروب لتحقيق هذا الهدف، بل تلوّح بالقوة وتُبقي مطلبها ضمن الأطر السياسية والدبلوماسية. وكما يُقال، فإن أفضل الحروب هي تلك التي لم تُخَض. فكيف بدولة صغيرة مثل لبنان، لا تملك ترف المغامرة، ولا خيار لها سوى الدبلوماسية بعد فشل مقولة الردع التي لم تتحقق على أرض الواقع؟

ومن المستغرب في هذا السياق كيف يتناسى المشككون بالدبلوماسية، أنهم قد صبروا لسنوات طويلة على حليفهم بشار الأسد  وأبيه بحجة تحرير الجولان، وهو ما لم يتحقق، وكيف احتفظوا بسلاحهم منذ عام 2000 لتحرير مزارع شبعا، من دون أن يتحقق ذلك أيضاً. فلماذا لا يصبرون بضعة أشهر إضافية، ويفسحون في المجال أمام الدولة اللبنانية لتجربة ما تبقّى لها من أدوات مشروعة عبر الدبلوماسية؟ لا سيما أن الاعتداءات الإسرائيلية ما زالت تحصل، رغم الإصرار على التمسك بالسلاح. وهنا يطرح السؤال نفسه مجدداً: إذا كان السلاح هو أداة الردع الحقيقية، فلماذا لم ينجح حتى الآن في ردع إسرائيل؟

في النهاية، لا يمكن لأي دولة صغيرة أن تعتمد على السلاح وحده لحماية شعبها أو تحقيق أهدافها الوطنية. لبنان اليوم بحاجة إلى رؤية متكاملة تجمع بين القوة المشروعة والدبلوماسية الفعّالة، بين الردع الواقعي والنهج السياسي الحكيم. السلاح وحده لم يحمِ لبنان من التكاليف المدمرة، والدبلوماسية ليست ضعفاً، إنما الطريق الأقل كلفة لحماية البلد واستعادة مؤسساته وسيادته، واتخاذ قرار الحرب وفق آليات الدستور، هذا هو الخيار الذي يضمن للبنان الاستمرار والاستقرار والوحدة الوطنية، بقوة علاقاته وقدراته الذاتية، لا بالشعارات والمزايدات.

السابق
«العسكرية» تردّ 4 طلبات لإخلاء سبيل فضل شاكر
التالي
الجيش الإسرائيلي أعدّ خطة ضد حزب الله إذا تدخّل في الحرب على إيران