أنهت إيران والولايات المتحدة، الثلاثاء، الجولة الثانية من المفاوضات النووية غير المباشرة في جنيف بوساطة عُمانية، على وقع توتر إقليمي مرتفع وتحركات عسكرية في الخليج، وإغلاق نادر لمضيق هرمز من جانب إيران.
وأعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التوصل إلى تفاهم على «مجموعة مبادئ توجيهية» تنظّم مسار التفاوض، فيما قال مسؤول أميركي إن طهران ستعود خلال أسبوعين بمقترحات تفصيلية لسد الفجوات المتبقية.
ما الذي تحقّق اليوم؟
وبحسب ما أُعلن بعد انتهاء المحادثات، اتفق الطرفان على الانتقال إلى مرحلة أكثر تقنية عبر إعداد مسودات نصوص وتبادلها قبل تحديد موعد الجولة الثالثة، مع إقرار متزامن بأن القضايا الجوهرية ما زالت عالقة. وأكد وزير خارجية عُمان بدر البوسعيدي أن الجولة انتهت «بتقدّم جيد» نحو تحديد الأهداف المشتركة والمسائل الفنية ذات الصلة، مضيفاً أن «الكثير من العمل ما زال مطلوباً» وأن الطرفين غادرا مع «خطوات تالية واضحة».
في المخرجات السياسية المباشرة، ركّزت طهران على أن النقاشات كانت «جدّية» وأن الاتفاق على «مبادئ توجيهية» بات إطاراً ناظماً لاستكمال التفاوض. وفي المقابل، شددت واشنطن على أن التقدم لا يعني اقتراب إعلان اتفاق نهائي، وأن «تفاصيل كثيرة» ما تزال بحاجة إلى حسم، على أن تقدم إيران خلال أسبوعين ورقة مقترحات تفصيلية لتقريب المواقف.

العقدة الأساسية: التخصيب والعقوبات
يبقى جوهر الخلاف مرتبطاً بمسألة تخصيب اليورانيوم داخل إيران: واشنطن تدفع باتجاه وقف التخصيب على الأراضي الإيرانية باعتباره مساراً محتملاً لقدرة اختراق نووي، بينما تصرّ طهران على أن «صفر تخصيب» غير مقبول، وتطالب بصيغة تعترف بالتخصيب داخل إيران مع ترتيبات تحقق وبناء ثقة تضمن الطابع السلمي. وفي موازاة ذلك، تصف إيران رفع العقوبات بأنه الشرط المقابل لأي قيود نووية إضافية، وترفض توسيع جدول الأعمال ليشمل برنامج الصواريخ.
أين يقف ملف «60%»؟
ضمن خطوط التسوية الممكنة، برزت في الأيام السابقة للجولة الحالية إشارات إلى استعداد إيراني للبحث في معالجة مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، لكن بشرط واضح: ربط أي خطوة بإنهاء العقوبات المالية.
وقال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي إن إمكانية «تخفيف» اليورانيوم المخصب 60% تعتمد على ما إذا كانت جميع العقوبات سترفع أم لا. وأوضح في الوقت نفسه أن خيار إرسال اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد لم يُطرح في جولة مسقط السابقة.
ومع ذلك، ظلّ خيار «الطرف الثالث» حاضراً في الخلفية: موسكو أعلنت أن مقترح نقل جزء من اليورانيوم الإيراني إلى روسيا ما يزال مطروحاً، مع التأكيد أن القرار يعود حصراً لطهران.
إيران توافق على زيارة «الذرية»
عامل آخر يثقل المفاوضات يتمثل بضغط الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن مصير مخزون من اليورانيوم عالي التخصيب بعد الضربات الإسرائيلية–الأميركية التي استهدفت منشآت نووية العام الماضي، وبشأن استئناف عمليات التفتيش بصورة كاملة، بما يشمل مواقع رئيسية تعرّضت للقصف مثل نطنز وفوردو وأصفهان. وفي هذا السياق، سبقت المحادثات لقاءات مرتبطة بدور الوكالة وملف الوصول والتفتيش.
واليوم قال رئيس لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية بمجلس الشورى الايراني علاء الدين بروجردي: «برأيي، ولكي نُعلن للعالم أن أنشطتنا النووية ما تزال سلمية، وافق المجلس الأعلى للأمن القومي على زيارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمراكز النووية».
رسائل النار… في هرمز
تزامن المسار الدبلوماسي مع رسائل عسكرية حادة: مع انطلاق محادثات جنيف، أعلنت وسائل إعلام إيرانية إغلاقاً مؤقتاً لجزء من مضيق هرمز أثناء تدريبات للحرس الثوري بالصواريخ.
من جهتها، واصلت الولايات المتحدة حشدًا عسكريًا متزامنًا مع محادثات جنيف، مع نقل أكثر من 50 مقاتلة (F-35 وF-22 وF-16) إلى المنطقة خلال الـ24 ساعة الماضية وفق بيانات تتبع ومصدر رسمي.
كذلك، يجري إرسال حاملة ثانية إلى الشرق الأوسط للانضمام إلى USS Abraham Lincoln.
وعكست الأسواق جانباً من المزاج السياسي: تراجعت أسعار النفط بعد تصريحات تتحدث عن «تقدم» وعن خفض مخاطر المواجهة المباشرة، وإن بقيت المخاوف الاستراتيجية قائمة بسبب هشاشة التفاهمات وتداخلها مع معادلة الردع في الخليج.
وتُعدّ هذه الخطوة وفق وكالة «أسوشييتد برس» إغلاقاً «نادراً للغاية، وربما غير مسبوق، للمضيق، وهي رسالة من إيران بشأن التداعيات المحتملة على الاقتصاد العالمي إذا مضت الولايات المتحدة في تهديداتها بمهاجمتها».
ترامب: «يريدون إبرام صفقة»
سياسياً، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه سيكون «منخرطاً بشكل غير مباشر» في مسار جنيف، معتبراً أن طهران تسعى إلى التوصل لاتفاق وتريد تجنب «عواقب» فشل الدبلوماسية، في وقت حذر فيه وزير الخارجية ماركو روبيو من صعوبة الوصول إلى صفقة لكنه تحدث عن وجود «فرصة» إن توفرت الشروط.

