يعيش اللبنانيون اليوم حالة من انعدام اليقين التي تتجاوز السياسة لتطال أدق تفاصيل حياتهم اليومية. ولعل المشهد داخل المنازل التي تضم طلاب شهادة المتوسطة (البريفيه) هو التجسيد الأوضح لهذه الأزمة؛ حيث تحولت البيوت إلى ساحات صراع بين أهالٍ يحاولون الحفاظ على جدية التحصيل العلمي، وأبناء متراخين في الدراسة والتحصيل بسبب ما ينتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي من شائعات حول إلغاء امتحانات الشهادة المتوسطة. هذا الإرباك التربوي ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو مرآة لنهج حكومي عام سمته التردد والمراوحة.
“البريفيه” كمؤشر على التحلل المؤسسي
إن عجز وزارة التربية عن حسم مصير الامتحانات الرسمية قبل وقت كافٍ يعكس حالة من “الضياع الكلي”. هذا التراخي لا يضرب الانضباط المدرسي فحسب، بل يكرس ثقافة “أمن العقاب” وتراجع قيمة الاجتهاد. عندما تفشل السلطة في اتخاذ قرار بشأن شهادة تعليمية، فإنها ترسل رسالة ضمنية بعجزها عن إدارة الملفات الأكثر تعقيداً، مما يؤدي إلى شلل تربوي واجتماعي يطال عشرات آلاف العائلات.
الموازنة والودائع: الهروب إلى الأمام بـ “حلول هجينة”
ينسحب هذا التردد بوضوح على الملف المالي؛ فبدلاً من اجتراح حلول جذرية لأزمة الودائع، اكتفت الحكومة بالسير على نهج سابقاتها، لتنتج قانوناً “هجيناً” لم يلقَ قبولاً من أي طرف، رامية بكرة النار إلى مجلس النواب.
أما الموازنة العامة، فقد جاءت كنموذج للتسويات السياسية بدلاً من الرؤية الاقتصادية. وبإهمالها للبعد الاجتماعي المنهك، تحولت الموازنة إلى فتيل أشعل الإضرابات في القطاع العام، مما أدى إلى شلل المرفق العام وتعطيل مصالح المواطنين، في تكريس واضح لسياسة “نصف القرار” التي تزيد الأزمات حدة عوضاً عن حلها.
الإصلاحات الناقصة: قضاء مكبل وهيئات معطلة
حتى في الملفات التي شهدت حراكاً ظاهرياً، بقي التنفيذ أسير التردد. في القضاء، لم تكن التعيينات والمناقلات كافية لبعث الروح في العدالة ما دام الإنصاف المادي للقضاة والمساعدين القضائيين مغيباً. وفي قطاعات الكهرباء والاتصالات، بقيت التعيينات في الهيئات الناظمة مجرد “حبر على ورق” لعدم صرف الاعتمادات اللازمة، مما أبقى هذه المرافق الحيوية في حالة موت سريري بانتظار قرار جريء لا يأتي.
رد الفعل المتأخر: حين يسبق الدمُ القرار
تثبت التجربة أن الحكومة لا تتحرك إلا تحت ضغط الكوارث؛ ففي ملف المباني المتصدعة في طرابلس، لم تُجترح الحلول “البديهية” إلا بعد سقوط الضحايا تحت الأنقاض. هذا النمط من “الإدارة بالكوارث” يثبت أن العائق ليس تقنياً أو معرفياً، بل هو غياب الإرادة السياسية الاستباقية، حيث يضيع الوقت في دراسات وتأجيلات، بينما الخطر يهدد أرواح المواطنين يومياً.
التحدي السيادي: القرار التائه بين “الطائف” والواقع
تتجلى ذروة التردد في التعامل مع الملفات السيادية الحساسة. فرغم صدور قرارات وزارية في آب 2025 تتبنى خطة الجيش لحصر السلاح وتطبيق القرار 1701، إلا أن غياب الجدول الزمني للتنفيذ جعل هذه القرارات تفتقر للفاعلية. هذا التردد في حسم المرجعية الدستورية للسلاح يبقي لبنان في حالة مراوحة خطيرة، خاصة في ظل وجود عدو يتربص بالثغرات لتوسيع رقعة الحرب.
الخلاصة هي ان الحكومة التي تجد صعوبة في حسم قرار تربوي يتعلق بشهادة “البريفيه”، تضع نفسها أمام تساؤل مصيري: هل تمتلك هذه السلطة المترددة الأهلية الكافية لاتخاذ قرارات كبرى بحجم الانتقال من حالة “الاستسلام للواقع المرير” إلى “السلام الشامل والاستقرار”؟ إن سياسة “أنصاف الحلول” لم تعد مجرد تباطؤ إداري، بل باتت تشكل الخطر الأكبر على مستقبل الكيان اللبناني.

