ثلاثة عقود من الإخفاق: لماذا فشلت معارضات الجنوب في كسر الحلقة المغلقة؟

المعارضة الشيعية

على امتداد ثلاثة عقود، تخوض معارضات الجنوب الاستحقاقات الانتخابية بالطريقة نفسها، وبالنتائج نفسها. أزمة مزمنة تُستنهض قبل عام من كل استحقاق، ثم توضع في “الثلاجة” بعده لثلاث سنوات، قبل أن تُعاد فتحها بالآليات ذاتها، وبالأدوات نفسها.

ولو أردنا الغوص في تفاصيل هذه المراحل لاحتجنا مجلدات. لكن الخلاصة يمكن اختصارها: معارضات تدور في فلك أزمتها، عاجزة عن إنتاج مشروع سياسي متماسك، أو بناء حالة شعبية قادرة على كسر احتكار السلطة.

في بنيانها الداخلي، تعيش هذه المعارضات صراعات مستفحلة. كل تكوين يحمل أمراضه المزمنة، ويتعايش مع تناقضاته، من دون مراجعة جدية أو محاسبة ذاتية.

يسار منقسم وتيارات متناحرة

الشيوعيون واليسار نموذج صارخ. عند كل استحقاق يتناحرون. الحزب الشيوعي انقسم إلى شظايا منذ أول انتخابات بعد الطائف: مرشح باسم سعدالله، والدكتور أحمد مراد في مواجهة تيار حبيب صادق، لينقسم اليسار إلى ثلاثة فروع: هذا مع ذاك، وثالث يختار الجلوس في البيوت.

تيار الأسعد بدوره خاض معاركه في انقسام حاد بين كامل الأسعد الأب وأحمد الأسعد الابن.

أما ما يُسمّى بحالة الاعتراض الشيعي، فتنخرها أعراض جانبية بين تكوينات وطنية مشتتة، وحالات شخصانية تبحث عن بروز إعلامي أو سياسي في مواجهة الثنائي الحاكم، بهدف رفع “القيمة التفاوضية” لا أكثر.

الأنا والشخصانية… مقابل خصم يعرف كيف يتوحّد

في كل محطة انتخابية، يطفو “الأنا” وتتصدر الشخصانية المشهد. وهنا يكمن جوهر الفشل: معارضات عاجزة عن التوحد، في مقابل خصم متماسك انتخابيًا، مهما اختلف داخليًا في النهج والأهداف.

الثنائي الحاكم يعرف كيف يتوحّد ساعة الاستحقاق، بهدف واحد: استمرار السيطرة على طائفة بأكملها، ومنع أي تسلل يعيد للجنوب عناوين التعددية والتنوع.

إعادة إنتاج الفشل: الوجوه نفسها والمدارس نفسها

السؤال اليوم: بعد كل هذه التجارب المريرة، هل ستبقى الأزمة متوارثة من جيل الآباء إلى جيل الأبناء؟

هل ستظل أزمة الشيوعيين تلقي بظلالها على أدوات المعركة؟ وهل ستُخاض الانتخابات النيابية مرة أخرى كمعركة داخلية لقياس الأحجام في أروقة التنظيم؟

وهل سنشهد في المعارضات الناشئة استنساخًا لتجربة “المدارس الأسعدية”، وخصوصًا مدرسة أحمد الأسعد الفوقية؟ وهل سيعاد تدوير الشخصيات التقليدية – من آل الزين وشاهين وعسيران – لتتسلل مجددًا إلى قلب المعارضات بهدف إعادة إنتاج نفسها؟

ثم سؤال أبعد: هل كل من يعلن نفسه معارضًا هو فعلًا معارض لنهج حزب الله أو للثنائي؟ وهل كل من يطلق على ذاته صفة “المعارض الشيعي” أو “اليساري” يملك دلالة سياسية واضحة وموقفًا عمليًا؟

آن أوان التنحي… وفتح الطريق أمام جيل جديد

أليست هذه التجارب كفيلة بالحد من تكرار الخطايا؟

ألم يحن الوقت لأن يرتاح كثيرون ويتنحوا جانبًا؟ فالذين ساهموا في صناعة الأزمة، وأعادوا تدوير زواياها لعقود، كيف لهم اليوم أن يعودوا بالأدوات نفسها، والقوالب نفسها، التي لا تنتج سوى ذاتها، وتُبعد الأجيال القادمة وتحكم عليها باليأس؟

تنحّوا جانبًا. اتركوا الطريق لغيركم. لأجيال غير ملوثة بإرث التجارب الفاشلة. اتركوا الدرب للشباب الذين يرون ما لم تروه، ويعيشون واقعًا لم تعايشوه.

الاستحقاق أكبر من انتخابات

لعل هذا الاستحقاق، وما بعده، يكون الدرس الأخير للجميع. فالاستحقاق في الوطن أكبر بكثير من انتخابات نيابية. الانتخابات ليست سوى جزء صغير من معركة أوسع على المعنى، والهوية، والمستقبل.

ومن لا يقرأ هذه اللحظة، أو يعجز عن إدراك خطورتها، سيدفع الثمن مرة أخرى.

السابق
استعدوا للطقس العاصف: منخفض جوي سريع يحمل أمطاراً موحلة وعواصف رعدية
التالي
انتخابات العام ٢٠٢٦ وأهدافها لدى قوى المعارضة الجنوبية