بدت التطورات السياسية الأخيرة في العراق وكأنها إنفجار مؤجل أنفلت فجأة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية ليصيب في قلبه أكثر الملفات حساسية عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء فبين تصعيد الفصائل العراقية غير المسبوق و التحذير الأميركي المباشر نادر اللهجة و الأنقسام الشيعي الداخلي الذي يتسع بصمت بات المشهد العراقي أقرب إلى حافة أختبار وجودي لا يخص شخص نوري المالكي فحسب بل مستقبل التوازن السياسي في البلاد برمته.
حين تداخلت السياسة بالأمن لم يكن التصعيد الأخير مجرد تفاعل سياسي إعتيادي بل جاء محملا بعدة إشارات أمنية خطيرة تمثلت في إعلان الفصائل العراقية نيتها تنفيذ عمليات إستشهادية دعما و أسناد للجمهورية الإسلامية الإيرانية في توقيت تزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي و إحتمالات المواجهة المفتوحة و هذا التطور لم يكن معزولا عن السياق السياسي العراقي بل شكل عامل ضغط إضافي على ترشيح نوري المالكي الذي بدا وكأنه يدفع ثمن ماضيه السياسي وتحالفاته وموقعه الإقليمي في لحظة لا تحتمل فيها الولايات المتحدة الأميركية أي مغامرة عراقية قد تعيد البلاد إلى مربع الفوضى و بينما كانت الأنظار تتجه نحو جلسة حاسمة لإنتخاب رئيس الجمهورية تمهيدا لتكليف رئيس الوزراء جاءت الرسالة الأميركية الصاعقة لتقلب المشهد رأسا على عقب وتدفع فيالإطار التنسيقي إلى مربع المراجعة القسرية.
دونالد ترامب يتدخل وكسر الخط الأحمر
وهو مما جعل التطور بالغ الخطورة هو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خرج عن تقاليد الإدارات الأميركية السابقة التي لطالما تجنبت التصريحات العلنية المباشرة بشأن تشكيل الحكومات العراقية و أكتفى في إعادة الرسائل الدبلوماسية المغلقة و لكن هذه المرة كسر دونالد ترامب القاعدة و هو تصريحه على منصة تروث سوشيال لم يكن مجرد موقف سياسي بل تحذير صريح أقرب إلى الإنذار النهائي حين قال إن إعادة تنصيب نوري المالكي ستكون خطأ فادحا محملا إياه مسؤولية ما آلت إليه البلاد خلال ولاياته السابقة ومهددا بوقف الدعم الأميركي بالكامل و الأخطر في التصريح لم يكن اللهجة بل التوقيت إذ جاء قبل لحظات من أكتمال الأستحقاق الدستوري وكأنه رسالة موجهة ليس لنوري المالكي وحده بل لكل القوى التي تراهن على تحدي الإرادة الأميركية في هذه المرحلة.
المالكي يرد و لكن المأزق أعمق
رد نوري المالكي سريعا رافضا ما وصفه في التدخل السافر ومؤكدا تمسكه بترشيحه و مشددا على أن القرار العراقي سيادي و لا يقبل الإملاءات.
غير أن هذا الرد رغم صلابته الخطابية لم يخف حقيقة المأزق فالمسألة لم تعد تتعلق في الموقف السياسي أو الخلاف الدبلوماسي بل بصدام محتمل مع واشنطن في توقيت لا يحتمل العراق تبعاته أقتصاديا ولا أمنيا حيث أن لعراق اليوم يعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الدعم الأميركي في ملفات الطاقة والعملة والأستقرار المالي فضلا عن الغطاء السياسي الدولي الذي يمنع عزله إقليميا.
الإطار التنسيقي أمام لحظة الحقيقة
داخل الإطار التنسيقي تتزايد المؤشرات على وجود قلق عميق من الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة الأميركية فالمعادلة باتت واضحة إما التمسك بمرشح يثير حساسية إقليمية و دولية عالية أو البحث عن مرشح تسوية يحفظ التوازنات ويمنع الأنفجار و تشير التسريبات المتعددة إلى أن بعض قوئ الإطار التنسيقي بدأت تميل إلى خيار الأنسحاب التكتيكي لنوري المالكي سواء عبر الأعتذار المباشر قبل التكليف أو من خلال تمرير مرحلة شكلية تنتهي بأعتذاره لاحقا في محاولة لحفظ ماء الوجه سياسيا ويزداد هذا التوجه نحو القوة مع تصاعد المخاوف من أن يؤدي الإصرار على نوري المالكي إلى فرض عقوبات أقتصادية أميركية و تعطيل المساعدات الدولية و أن التصعيد الأمني الداخلي يعني عزلة إقليمية مزايدة إعادة الإنتاج الأنقسام الطائفي.
السوداني اللاعب الصامت؟
في قلب هذه المعادلة الإقليمية يبرز إسم محمد شياع السوداني مجددا و لكن هذه المرة من موقع مختلف فإنسحابه السابق من السباق لصالح نوري المالكي والذي بدا حينها خطوة غامضة يفسر اليوم من قبل الكثير على أنه مناورة محسوبة هدفت إلى دفع نوري المالكي إلى الواجهة ثم تركه يواجه الإعتراض الأميركي وحده ووفق التقديرات السياسية فإن السوداني كان على علم مسبق برفض واشنطن بحكم علاقاته الجيدة مع الإدارة الأميركية وربما راهن على أن فشل نوري المالكي سيعيده تلقائيا إلى المشهد كخيار أقل كلفة.
الرسالة الأميركية قرار لا رجعة فيه
و ما يميز هذه الأزمة عن سابقاتها بحسب مراقبين هو أن رسالة دونالد ترامب ليست تكتيكية ولا نرددية و لا تفاوضية بل قرار سياسي نهائي يعكس رؤية أميركية أوسع للمنطقة تقوم على منع تمدد الدور الإيراني و تحييد العراق عن أي صدام وتوتر إقليمي و إعادة ضبط التوازنات الداخلية و عدم السماح بعودة شخصيات تعد إشكالية دوليا و أن الولايات المتحدة الأميركية تعتبر عودة نوري المالكي تهديدا مباشرا للأستقرار و ليس فقط بسبب ماضيه بل بسبب ما يمثله من شخصية سياسية مرتبطة بالأستقطاب الطائفية و الشخصنه .
هل ينسحب المالكي؟
حتى اللحظة لا يزال نوري المالكي متمسكا موقفه لكن المؤشرات كلها توحي بأن سيناريو الأنسحاب التكتيكي بات الأكثر ترجيحا سواء قبل جلسة التكليف أو بعدها بفترة قصيرة حيث أن الإطار التنسيقي يدرك أن المواجهة مع أميركا تعني خسارة كل شيء وأن الرهان على كسر الإرادة الأميركية في هذا التوقيت يعني قد يكون مقامرة إنتحارية.
ما يجري اليوم ليس صراعا على منصب بل معركة على شكل الدولة العراقية في المرحلة المقبلة و هل تكون دولة توازن و إنفتاح أم ساحة صراع إقليمي و هل تدار بمنطق التوافق أم تدفع نحو الأستقطاب والصدام؟

