حين يفشل التفاوض قبل لعبة شراء الوقت وسقوط الأوهام

ويتكوف عراقجي

ما يجري اليوم ليس مسار تفاوض بالمعنى السياسي للكلمة، بل عملية شراء وقت مكشوفة. إيران تذهب إلى طاولة التفاوض وهي تعرف مسبقاً أن الشروط غير قابلة للتلاقي، وأن الاتفاق الشامل غير ممكن في هذه اللحظة.

لذلك تفاوض لتؤجل لا لتنجز: تفتح ملفاً وتغلق آخر، تقبل بتفصيل وتنسف الإطار، تراهن على الزمن كأداة استنزاف للطرف المقابل، وعلى تعب المجتمع الدولي من المواجهة المفتوحة.

لكن المشكلة أن هذه اللعبة لم تعد خافية. التفاوض فشل قبل أن يحصل، لأن منطق الطرفين متناقض جذرياً: واشنطن تريد تنازلات جوهرية وسريعة، وطهران تريد اعترافاً بدورها الإقليمي ورفعاً للعقوبات من دون دفع الثمن الكامل. المسافة بين المطلبين أكبر من أن تُردم بالوساطات أو حسن النوايا.

ترامب وشدّ الحبال

دونالد ترامب العائد إلى واجهة القرار يدرك هذا جيداً، لذلك يلعب لعبته المفضلة: شدّ الحبال. يهدد بالحرب، يلوّح بالعقوبات، يترك باب التفاوض مفتوحاً، ثم يتراجع خطوة ليعيد شدّ الحبل من جديد.

ليس هدفه الاتفاق، بل فرض ميزان قوى جديد، أو على الأقل منع إيران من التقاط أنفاسها. التفاوض بالنسبة له أداة ضغط لا مسار حل.

إيران والمنطقة الرمادية

في هذا السياق تبدو إيران محاصرة أكثر مما تعترف. الشارع يغلي، الانتفاضة لم تُقمع نهائياً، والاقتصاد على حافة الانفجار. أي حرب خارجية قد تشعل الداخل، وأي تنازل كبير قد يفجّر تماسك السلطة.

لذلك تختار طهران المنطقة الرمادية: لا حرب ولا سلام، لا اتفاق ولا قطيعة، فقط انتظار.

حزب الله… تلميذ المماطلة الاستراتيجية

وهنا تحديداً يدخل حزب الله في لبنان، لا كلاعب مستقل بل كجزء من هذا الانتظار الطويل. الحزب يتصرف كتلميذ نجيب في مدرسة المماطلة الاستراتيجية: خطوة إلى الأمام لرفع السقف، خطوتان إلى الخلف لتجنب الانفجار، تصعيد كلامي مضبوط، رسائل نارية بلا اشتباك شامل، إبقاء الجبهة مفتوحة نظرياً ومجمّدة عملياً.

كل شيء رهن بما ستؤول إليه المعركة الكبرى في إيران.

لبنان خارج الحسابات

لبنان مرة جديدة خارج الحسابات. بلد مفلس، مدمّر ومنهك، يُطلب منه أن ينتظر نتيجة مفاوضات فاشلة سلفاً. يُستخدم كورقة ضغط محتملة، وكجبهة احتياط، وكوسيلة تذكير بأن الإقليم لا يزال قابلاً للاشتعال إذا لم تُراعَ شروط هذا الطرف أو ذاك.

المشكلة أن الانتظار نفسه بات خطراً.

فشل التفاوض لا يعني بالضرورة حرباً مباشرة، لكنه يعني استنزافاً طويل الأمد: اقتصاد ينهار، مجتمع يهاجر، دولة تتآكل.

وفي هذه المنطقة الرمادية يدفع اللبنانيون الثمن كاملاً، من دون أن يكون لهم رأي أو قرار.

مشهد بلا مخارج

نحن أمام مشهد واضح:

تفاوض لا يريد أن ينجح.
حرب لا أحد يريد أن يبدأها.
ودول صغيرة تُسحق في الفراغ بين الاثنين.

وحين يسقط وهم التفاوض…

كم بلداً يمكن أن يُدمَّر فقط لشراء الوقت؟

السابق
اعلان القائمة القصيرة لـ«البوكر العربية» 2026.. تكشف تنوّع السرد
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة اليوم الخميس 5 شباط 2026