في البداية لم يكن هناك «روبوت» يمشي في الشوارع، ولا مشهد خيالي كما في الأفلام. كانت الحكاية أبسط وأعمق في الوقت عينه.
مجرد تجربة سريعة تقول إن شيئاً تغيّر في طريقة تقديم الخدمة. هكذا يظهر الذكاء الاصطناعي حين يتحول إلى جزء من الحياة اليومية: نافذة صغيرة على الشاشة، خلفها قرار دولة كامل. لكن الحكاية لم تبدأ من هذه النافذة. بدأت قبلها بسنوات، عندما قررت الإمارات أن الذكاء الاصطناعي ليس تطبيقاً إضافياً، بل مرحلة جديدة كاملة في طريقة إدارة الحكومة والاقتصاد.
تخيّل أن دولةً رأت مبكراً أن الموجة القادمة لن تكون مجرد تطبيق جديد على الهاتف، بل طريقة جديدة لإدارة العالم: كيف تُتخذ القرارات، كيف تُقدَّم الخدمات، وكيف تُبنى اقتصادات بأدوات مختلفة.
قرار دولة
في أكتوبر 2017 أطلقت الحكومة الإماراتية استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، كإعلان دخول مرحلة ما بعد الحكومة الذكية، وتوسيع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي عبر قطاعات مختلفة.
وفي الشهر نفسه، جاء القرار الذي حوّل الاستراتيجية إلى مسار عمل: تعيين عمر سلطان العلماء وزيراً دولة للذكاء الاصطناعي، وهي خطوة قُدمت عالمياً كحالة مبكرة في وضع الذكاء الاصطناعي على مستوى القيادة الحكومية.
بعدها، وُضعت وثيقة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031: الوثيقة ليست بيان نوايا بقدر ما هي «تعريف» لما يعنيه أن تدخل دولة هذا المجال كخيار سيادي طويل النفس: في افتتاحيتها تُرفع السقف بعبارة واضحة منسوبة لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم:«نريد للإمارات أن تصبح الدولة الأكثر استعداداً للذكاء الاصطناعي».
ثم تشرح أن «الاستعداد» لا يقتصر على تشريعات تلاحق التغيير، بل على صناعة التغيير نفسه، وأن الإمارات «ستبني اقتصاداً للذكاء الاصطناعي» بدل أن تنتظر قدومه.
القواعد التي سبقت الانتشار: الثقة قبل السرعة
في كل بلد يتوسع في الذكاء الاصطناعي، هناك سؤال يسبق كل شيء: هل نثق به؟ في دبي، برز دور Digital Dubai عبر إرشادات لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي تضع مبادئ عامة مثل الشفافية والمساءلة والإنصاف، وتدفع باتجاه استخدام قابل للفهم والمراجعة، لا مجرد نتائج سريعة.
وفي أبوظبي، يظهر المسار نفسه بشكل تطبيقي في قطاعات حساسة مثل الصحة. معيار «Responsible AI» الصادر عن دائرة الصحة في أبو ظبي يتحدث صراحة عن ترجمة المبادئ إلى توجيهات قابلة للتطبيق، وضمان أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي «مسؤولة اجتماعيا» ومقيّمة باستمرار لسلامة المجتمع.
من الورق إلى الشاشة: الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية
حين تتحدث الإمارات عن الذكاء الاصطناعي في الحكومة، لا تتحدث عنه كفكرة نظرية فقط. على سبيل المثال، وزارة المالية الإماراتية تعرض آلية خدمة تعتمد على «Generative AI Assistance»: رد فوري عبر الذكاء الاصطناعي، وإذا لم يكتمل الجواب، تُنشأ تذكرة متابعة تلقائياً لاستكمال الرد.
هذه ليست تفصيلة تقنية، بل مشهد من التحول: خدمة تُبنى حول زمن الاستجابة، حول رحلة المستخدم، وحول تقليل الاحتكاك. ومع تراكم هذه المشاهد الصغيرة عبر جهات مختلفة، يتكوّن الانطباع الذي يردده الناس: الذكاء الاصطناعي يدخل في كل شيء.

2019: بناء العقول
في 2019، تأسست جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كمؤسسة بحثية متخصصة، وتصف الجامعة ما تفعله بأنه «دعوة مفتوحة للعالم»، وبهدف تمكين الطلاب والحكومات والشركات، وبناء منظومة بحث وابتكار.
هذا التأسيس لماذا اختارت الإمارات مساراً مختلفاً: بناء مركز ثقل للمعرفة، يجذب الباحثين والطلاب، ويحوّل الذكاء الاصطناعي من أدوات تُشترى إلى قدرات تُنتج.
في هذا النوع من الاستثمار، لا تكون النتائج فورية دائماً، لكنها تصنع شيئاً أهم: القدرة على أن يكون للبلد مكان على خريطة الابتكار، لا على خريطة الاستهلاك فقط.
سباق «السيادة التقنية»
في السنوات الأخيرة، تحول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى ساحة تنافس عالمي: النماذج اللغوية، الحوسبة، البيانات، ومعايير الأمان. هنا يظهر خط آخر في الحكاية: معهد Technology Innovation Institute الذي أعلن إطلاق نماذج Falcon المفتوحة، وفي بيان عن Falcon 40B أشار إلى أداء قوي مقارنةً بمنافسين مع استخدام قدرة حوسبية أقل، مع الاستناد إلى أدوات قياس معروفة في المجال.
ثم جاءت محطات أكثر حداثة. في يناير 2026 أي منذ أيام قليلة، أعلنت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي إطلاق K2 Think V2 كنظام استدلال متقدم «ذات سيادة كاملة»، مع طرحه ضمن إطار يركز على الشفافية والوصفة التدريبية القابلة للتتبع.
وتبيّن هذه اللغة الجديدة تحولاً في الطموح: ليس مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي، بل بناء طبقة خاصة من القدرات يمكن التحقق منها وفهمها.
النماذج العربية جزء من القصة
في المنطقة، يبقى سؤال اللغة دائماً حاضراً. لأن الذكاء الاصطناعي الذي لا يفهم العربية جيداً سيبقى محدوداً في التعليم، والخدمات، والإعلام، والتفاعل اليومي.
هنا يظهر إسم «Jais» وهو نموذج لغوي كبير للذكاء الاصطناعي «LLM» موجّه للعربية بالدرجة الأولى، ومصمّم ليفهم العربية ويولّد نصوصاً عربية بجودة أعلى، مع كونه ثنائي اللغة أيضاً بالعربية والإنجليزية. طُوّر ضمن منظومة شركات «G42» في أبوظبي عبر «Core42» وبشراكات بحثية، وأُعلن لاحقاً عن إتاحته ضمن «Azure AI Model Catalog» لكي تتمكن الشركات والمطورون من استخدامه على منصة «Microsoft Azure».
السوق الذي يحوّل الرؤية إلى وظائف وشركات: دبي كنقطة تجمّع
حتى مع وجود استراتيجية وبحوث ونماذج، يبقى السؤال الواقعي: أين الشركات؟ أين الوظائف؟ أين البيئة التي تُحوّل الفكرة إلى منتج؟
في يونيو 2023، أعلن مركز دبي المالي العالمي عن «Dubai AI & Web 3.0 Campus» ضمن أهداف واضحة: جذب أكثر من 500 شركة، واستقطاب تمويلات جماعية تتجاوز 300 مليون دولار، وخلق أكثر من 3000 وظيفة بحلول 2028.
بعد ذلك بعام تقريباً، أعلن المكتب الإعلامي لحكومة دبي أن المرحلة الأولى من التجمع اكتملت مع تسجيل أكثر من 75 شركة، وأن المرحلة الثانية تتجه إلى التوسع بهدف استقطاب أكثر من 500 شركة وخلق أكثر من 3000 وظيفة بحلول 2028.
الشراكات التي تعني «ثقة عالمية»: مايكروسوفت وG42
وفي أبريل 2024، أعلنت شركة «مايكروسوفت» استثماراً بقيمة 1.5 مليار دولار في G42 أي مجموعة تكنولوجيا للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية مقرّها أبوظبي، مع انضمام براد سميث إلى مجلس إدارة G42، ودعم إنشاء صندوق بقيمة مليار دولار للمطورين، ضمن سردية تركز على بناء القدرات ونشر التقنية بشكل مسؤول.
وتشرح «مايكروسوفت» لماذا يُنظر إلى الاتفاق كنموذج حوكمة: «اتفاق مُلزم هو الأول من نوعه» لضمان تطوير ونشر «آمن، موثوق، ومسؤول» للذكاء الاصطناعي.
كيف دخل في كل شيء فعلاً؟
إذا عدنا إلى المشهد الأول، نافذة خدمة ترد فوراً وتفتح تذكرة عند الحاجة، سنفهم أن الذكاء الاصطناعي لا يدخل في كل شيء فجأة. يدخل حين تتراكم طبقات غير مرئية:
استراتيجية مبكرة، قيادة حكومية، أخلاقيات ومعايير، جامعة تبني المواهب، نماذج وأبحاث، سوق يجمع الشركات، وشراكات عالمية ترفع السقف.
في هذه الحكاية، لا يظهر الذكاء الاصطناعي كبطل واحد، بل كبنية كاملة. ولهذا السبب، تبدو الإمارات اليوم كبلد يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءاً من طريقة العيش والعمل، لا مجرد موجة تقنية عابرة.

