قيام الإمام الحسين (ع) بين الحجّية والمنهج الأصولي

تقوم المنهجية الأصولية والفقهية عند الشيعة الإمامية على قاعدة معروفة، مفادها أن قول المعصوم وفعله وتقريره حُجّة. وقد حظي القول والتقرير، عبر القرون، بجهد أصولي واسع، وُضعت لهما ضوابط دقيقة للفهم والاستنباط، من قبيل العام والخاص، والمطلق والمقيّد، والقرائن اللفظية والحالية، وسياق الخطاب ومقامه.

غير أن فعل المعصوم بقي، في الغالب، خارج هذا الاشتغال المنهجي الصارم، متروكًا للاستدعاء الخطابي أو التوظيف الوعظي، من دون بناء ضابطة واضحة تبيّن متى يكون الفعل حُجّة عامة، ومتى يكون خاصًا بمقامه وظرفه وصاحبه.

وهنا تحديدًا تتشكّل الإشكالية الكبرى….

مأزق حجّية الفعل المعصوم (ع)

إذا كان قول المعصوم يُفهَم عبر أدوات لغوية وأصولية، فإن الفعل يطرح سؤالًا مختلفًا:

هل كل فعل صدر عن المعصوم يُراد به التشريع؟ أم أن بعض الأفعال تدبير ظرفي؟ أو استجابة سياسية/اجتماعية مخصوصة؟

أو تكليف خاص بالإمام بوصفه إمامًا لا بوصفه نموذجًا قابلًا للتكرار؟

غياب الإجابة المنهجية عن هذه الأسئلة جعل الفعل المعصوم ساحة مفتوحة للتأويل المتناقض، بل وللاستثمار المتضاد…

بين صلح الإمام الحسن (ع) وقيام الإمام الحسين (ع)، السؤال المؤجَّل

iقدّم التاريخ الإمامي مثالين صارخين:

صلح الإمام الحسن مع معاوية

قيام الإمام الحسين على يزيد

كلاهما فعل صادر عن معصوم، وكلاهما يُعدّ حُجّة في الجملة، لكن:

هل هما حجّتان من النوع نفسه؟

هل يُمكن للمكلّف أن يحتجّ بالصلح كما يحتجّ بالقيام؟

وإذا تعارضا ظاهريًا، بأيّ ميزان نرجّح؟

المنهج الأصولي السائد لا يقدّم جوابًا حاسمًا، بل يترك الباب مفتوحًا لاجتهادات خطابية، كثيرًا ما تُحسم بالعاطفة لا بالمنهج..

قيام الحسين (ع) بوصفه استثناءً فعليًا

النقطة التي لا يمكن تجاوزها علميًا هي أن قيام الإمام الحسين (ع) كان استثناءً في سيرة الأئمة (ع):

لم يقم الإمام علي (ع) بهذا النحو، ولا الإمام الحسن (ع) بعد الصلح، ولا الأئمة من بعد الإمام الحسين (ع)، رغم ما واجهوه من ظلم واضطهاد.

هذا المعطى التاريخي لا ينتقص من عظمة الحسين، بل يفرض سؤالًا أصوليًا ملحًّا:

هل قيام الإمام الحسين (ع) قاعدة قابلة للتعميم، أم استثناءً مرتبطًا بمقام خاص وظرف فريد؟

تحويل الاستثناء إلى قاعدة، من دون بحث اجتهادي صارم، هو ما أنتج الفوضى في فهم الثورة الحسينية، وجعلها عند البعض مشروع ثورة دائمة، وعند آخرين مجرد حدث رمزي، وعند فريق ثالث أداة تعبئة سياسية أو مذهبية.

من المنبر إلى البحث ضرورة منهجية

إن استمرار تداول قيام الإمام الحسين (ع) في الخطب والبيانات والشعارات، من دون إخضاعه لدراسة أصولية عليا، أوقع الناس في حيرة مشروعة:

متى يكون القيام تكليفًا؟

ومتى يكون الصبر أولى؟

وأين يقف المكلّف بين نموذج الحسن ونموذج الحسين؟

من هنا تبرز الحاجة إلى دراسة قيام الحسين في إطار “بحث الخارج”، وبأدوات الاجتهاد العليا، لا بوصفه رمزًا شعائريًا، بل باعتباره فعلًا معصومًا يحتاج إلى ضابطة.

ونشر نتائج هذا البحث للناس لا يعني “علمنة” الإمام الحسين (ع) ولا تفريغه من روحه، بل على العكس: هو السبيل الوحيد لإنهاء التشويش، وتمكين الناس من الاقتداء الواعي، لا الانفعال المؤقت.

بين تفكيك الكهنوت وحماية المعنى

إن كثيرًا من الفوضى المحيطة بفهم قيام الإمام الحسين (ع) تعود إلى الاحتكار الخطابي للحدث، حيث يُقدَّم بوصفه جوابًا جاهزًا لكل زمان ومكان، من دون مساءلة المنهج الذي يحكم هذا التقديم.

وهنا تلتقي هذه الإشكالية مع محاولات روائية وفكرية معاصرة سعت إلى تفكيك صورة الكهنوت، لا عبر نفي المقدّس، بل عبر مساءلة من يحتكره. في هذا السياق، تظهر أعمال أدبية مثل «محنة عمامة»، حيث لا يُدان الإيمان، بل يُكشَف التوتر بين الرمز الديني والإنسان المحاصر داخله، وبين القداسة بوصفها معنى، والقداسة بوصفها سلطة.

وأخيرًا، إن إعادة طرح سؤال قيام الإمام الحسين (ع) بوصفه مسألة أصولية، لا خطابية، ليست انتقاصًا من الثورة الحسينية، بل حماية لها من الابتذال والتوظيف المتناقض.

قيام الإمام الحسين (ع) كان حُجّة في مقامه، لكنه لا يتحوّل تلقائيًا إلى قاعدة في مقامنا إلا بعد بيان الضابطة.

وما لم يُنجَز هذا البيان، سيبقى الناس يتأرجحون بين شعارات متضادة، ويظل الإمام الحسين (ع)، على نحو مؤلم، حاضرًا في العاطفة، غائبًا في المنهج.

والحال أن أعظم وفاء للإمام الحسين (ع) اليوم، هو إخراجه من الفوضى إلى الفهم.

السابق
فرقة شمس بعلبك بين الجذور الأكاديمية وضوء الـ mtv
التالي
إيران وحزب الله يستعدّان للضربة الأميركيّة المرتقبة..