فرقة «شمس بعلبك» ومن خلال شاشة MTV تدخل مقاهي المدينة بالدبكة وتعيد لبعلبك صوت الحياة والفرح

في مساءٍ كانت فيه الأخبار أثقل من أن تُحتمل، والقصف يرسم ظلّه القاتم على الجنوب والهرمل، رفضت بعلبك أن تكون سطرًا عابرًا في نشرة عاجلة.

اختارت أن تظهر كما هي لا كما يُراد لها أن تُرى،اختارت الحياة، لا كردّ فعل، بل كخيار واعٍ.

فرقة شمس بعلبك، المشاركة في برنامج يلي نِدبك على شاشة MTV، لم تدخل المدينة كفرقة فنية فحسب، بل كحالة اجتماعية وثقافية متجذّرة فيها،أغلب أفرادها من آل الصلح، من حيّ الصلح، العائلة العريقة التي شكّلت عبر تاريخ بعلبك إحدى ركائزها الاجتماعية، بما تحمله من قيمة وحيثية وخصوصية، وبما تمثّله من قدرة على جمع الناس لا على تقسيمهم.

ما حدث لم يكن عرضًا، ولا مبادرة منظّمة، بل لحظة مدينة كاملة.

لقاء الجمال بالذاكرة التاريخية

في رأس العين حيث الجمال الطبيعي يلتقي الذاكرة التاريخية، وحيث بركة رأس العين ومسجد السلطان الظاهر بيبرس ليسا مجرد معلمين، بل شاهدين على قرون من الحضارة، اقتحمت شمس بعلبك المقاهي التي تمثّل القلب الاجتماعي الحقيقي للمدينة.

تلك المقاهي التي تجمع العائلات البعلبكية بكل تنوّعها، بلا أسئلة مسبقة، وبلا شروط.

دخلوا بالدبكة، لا كاستعراض، بل كلغة،لغة جسد تقول ما تعجز عنه الخطب،دخلوا بالفرح، فاستقبلهم الناس بالزغاريد، بالرقص، بالتصوير، وكأن المدينة كانت تنتظر هذه اللحظة لتتذكّر نفسها.

في مقهى ركوة قهوة، حيث تجتمع ليلًا نخبة من رجال بعلبك، المختلفين في انتماءاتهم والمتنوّعين في أفكارهم، سقطت فجأة كل المسميات الثقيلة.

لم يعد أحد يمثل رأيًا أو موقعًا، الجميع مثّل المدينة فقط، مشهد نادر من انسجام اجتماعي صافي، لا يحتاج إلى تفسير.

ثم كان الدخول إلى مقهى ليالينا، المكان الذي دُمّر في الحرب الأخيرة على لبنان إثر قصف مبنى مجاور، ثم أُعيد بناؤه،هناك، لم تكن الدبكة احتفالًا، بل تأكيدًا هادئًا أن الأمكنة، مثل أهلها، قد تُصاب، لكنها لا تفقد روحها،وأن إعادة البناء ليست فعل إسمنت فقط، بل فعل معنى.

المدينة ملك ناسها

في تلك الليلة، لم تُرفع شعارات، ولم تُطلق مواقف،لكن ما جرى كان سياسيًا بأعمق معاني السياسة، إعادة تعريف الفضاء العام، وتذكير بأن المدينة ملك ناسها، وأن الاجتماع الإنساني بحدّ ذاته فعل حضاري سيادي.

وهنا، لا يمكن تجاهل الدور الذي أدّته MTV، فإن كانت الشاشة واعية تمامًا لحساسية اللحظة، ولمكان بعلبك في الوجدان اللبناني، فهي تكون قد مارست إعلامها في أرقى تجلّياته، فقد نقلت صورة صادقة، منحت المدينة حقّها في الظهور، وفتحت مساحة إنسانية نادرة وسط ضجيج الأخبار.

وإن لم يكن ذلك مقصودًا بالكامل، فالأثر وحده كافٍ ليقول إن الإعلام، حين يُنصف المكان، يصنع فرقًا يتجاوز الشاشة فرقة شمس بعلبك دخلت المقاهي لا لتقول من نحن،بل لتترك بعلبك تقول عن نفسها،دخلت محمولة بحب الناس، ومسنودة بعدسة احترمت المدينة وأهلها وتنوّعها.

في تلك اللحظة، لم تنتصر جهة، ولم تُهزم أخرى، لكن بعلبك استعادت صورتها في مرآة نفسها.

هكذا لا تطلب المدن حقّها في الحياة، هكذا تُمارسه، بهدوء، وبجمالٍ لا يُقهر…

السابق
جريمة غذائية في البقاع.. قوى الأمن تضبط 3 أطنان من الدجاج الفاسد في سعدنايل
التالي
نعيم قاسم وحزبه يعيشان في أوهام القوة