سجلت الأسواق العالمية هذا الأسبوع قفزة نوعية وصفت بـ “التاريخية” في أسعار المعادن النفيسة، حيث نجح الذهب في تجاوز مستوى المقاومة النفسي والتقني البالغ 4600 دولار للأونصة، تزامناً مع تسجيل الفضة مستويات قياسية غير مسبوقة. ويأتي هذا الاندفاع القوي مدفوعاً بحالة من التوجس تسيطر على المستثمرين، وسط تداخل معقد بين البيانات الاقتصادية الأميركية المتعثرة والتوترات الجيوسياسية التي لا تهدأ.
أربعة محركات وراء الانفجار السعري
يرى المحللون أن صعود الذهب والفضة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تظافر أربعة عوامل جوهرية:
نزيف سوق العمل الأميركي: شكلت بيانات الوظائف غير الزراعية لشهر ديسمبر صدمة للأسواق، حيث أظهرت تباطؤاً ملحوظاً في النمو الوظيفي. هذا الضعف انعكس سلباً على قيمة الدولار، مما زاد من بريق المعادن كملاذ آمن بديل للعملة الورقية.
رهان خفض الفائدة: تتزايد التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي سيضطر لخفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل هذا العام (في يونيو وسبتمبر)، بواقع 25 نقطة أساس لكل مرة. هذا التحول نحو “السياسة التيسيرية” يقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً، ويرفع الطلب عليه.
الضجيج الجيوسياسي والسياسي: تؤدي التحركات السياسية غير المتوقعة والتدخلات المحتملة في قرارات البنك المركزي إلى حالة من الارتباك. هذا التوتر بين القرار السياسي والنقدي دفع الصناديق الاستثمارية للتحوط بالذهب والفضة.
رسائل جيروم باول: رغم تصريحات رئيس الفيدرالي التي أكد فيها على استقلالية السياسة النقدية وبناء القرارات على “البيانات لا الرغبات السياسية”، إلا أن كلامه لم ينجح في تهدئة مخاوف الأسواق، بل زاد من حالة الترقب لما سيأتي.
بيانات التضخم ومسار المتداولين
تتجه الأنظار اليوم صوب إصدار بيانات معدلات التضخم الأميركية. وفي حين تشير التوقعات إلى احتمال ثبات هذه المعدلات، إلا أن هذا الثبات يحمل “سلاحاً ذا حدين”:
سيناريو قوة الدولار: إذا جاءت البيانات داعمة لاستقرار الاقتصاد، فقد يشهد الدولار استعادة لبعض قوته، مما قد يفرض “حركة تصحيحية” مؤقتة تدفع بالذهب والفضة للتراجع قليلاً قبل معاودة الصعود.
استراتيجية الشراء: من منظور التداول، يترقب المشترون أي تراجع طفيف (Pullback) لاعتباره فرصة ذهبية للشراء من مستويات الدعم، مع يقين بأن الاتجاه العام (Trend) لا يزال صاعداً بقوة.
يعيش الذهب والفضة حالياً عصرهم الذهبي في قلب اهتمامات المستثمرين. فبين السيولة الوفيرة، والتوترات السياسية، واستقلالية الفيدرالي المهتزة، يبقى التوازن حذراً. جلسة اليوم ستكون “البوصلة” التي ستحدد ما إذا كان الذهب سيؤسس لقاعدة فوق الـ 4600 دولار، أم أن جني الأرباح سيؤجل الرحلة نحو القمم التالية.

