الإمام شمس الدين و«المقاومة المدنية الشاملة»: حين واجه الاحتلال بالوعي قبل السلاح

بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ووصول قوات الاحتلال إلى بيروت إثر حصار دام ثلاثة أشهر، دخل البلد مرحلة مفصلية في تاريخه السياسي والوطني. فسرعان ما أعلن قادة اليسار اللبناني انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وبدأت العمليات العسكرية التي أسهمت في إرغام الاحتلال على إخلاء بيروت.

في موازاة ذلك، أطلق رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى آنذاك، الإمام محمد مهدي شمس الدين، مبادرة مختلفة في الشكل والمضمون، تمثلت في إعلان انطلاق المقاومة المدنية الشاملة، وهو إعلان فتح منذ لحظته الأولى باب الأسئلة الكبرى حول دلالاته وخياراته وأبعاده.

مقاومة التطبيع بلا هوية مذهبية

لم يكن اختيار الإمام شمس الدين لمصطلح “المقاومة المدنية” تفصيلاً لغويًا عابرًا. فرغم تمثيله الرسمي للطائفة الشيعية، لم يمنح هذه المقاومة صفة إسلامية أو شيعية، بل أصرّ على تسميتها مدنية ووطنية، خالية من أي صبغة دينية أو مذهبية أو فئوية.

كما أن توصيفها بـ”الشاملة” لم يكن اعتباطيًا، بل عكس رؤية متكاملة ترى في المقاومة فعلًا يتجاوز البعد العسكري، ليشمل الوعي الاجتماعي والثقافي، ويستهدف إشراك جميع أبناء الوطن، على اختلاف انتماءاتهم الطائفية والحزبية والمناطقية.

تجلّى الدور العملي للمقاومة المدنية الشاملة بوضوح في الجنوب اللبناني خلال بدايات الاحتلال. ففي تلك المرحلة، حاولت إسرائيل، ونجحت جزئيًا، في فرض واقع تطبيعي جديد، مستفيدة من نقمة بعض الجنوبيين على الوجود الفلسطيني السابق.

شهد الجنوب آنذاك مظاهر مقلقة من القبول بالأمر الواقع: تبادل تجاري مع إسرائيل، انتقال تجار وأفراد لأغراض تجارية وسياحية، إغراق الأسواق الجنوبية بالبضائع الإسرائيلية، وظهورها علنًا في المحال والدكاكين. وكان كل من يعارض هذا المسار عرضة للاعتقال على يد الاحتلال أو عملائه.

إلى ذلك، عملت إسرائيل على تأسيس ما عُرف بـ”الجيش الشيعي” في الجنوب، بقيادة عناصر محلية، بدأ يتطوّع فيه مئات من أبناء القرى، حيث بدأ تدريبهم بإشراف ضباط وجنود إسرائيليين.

أمام هذا الواقع، وجد الإمام شمس الدين أن طائفة بأكملها تُدفع نحو الفخ الإسرائيلي تحت شعار التخلص من الوجود الفلسطيني، فكان لا بد من مواجهة هذا الانزلاق الخطير. ومن هنا أطلق حراك المقاومة المدنية الشاملة، بتنسيق كامل مع قيادة المقاومة الوطنية اللبنانية ومع مقاومة أفواج أمل.

توصيفها بـ”الشاملة” لم يكن اعتباطيًا، بل عكس رؤية متكاملة ترى في المقاومة فعلًا يتجاوز البعد العسكري، ليشمل الوعي الاجتماعي والثقافي، ويستهدف إشراك جميع أبناء الوطن

اتفاضة عاشوراء والتكامل بين المدني والعسكري

في هذا السياق، تبرز محطة مفصلية جسّدت التكامل بين المقاومة المدنية والعسكرية، تمثلت في انتفاضة عاشوراء في النبطية عام 1983. فقد كان الإمام شمس الدين صاحب فكرة هذه الانتفاضة ومقترحها، ونقلها إلى قيادة المقاومة الوطنية ممثلة بجورج حاوي وكريم مروة، تحت شعار قلب مخططات إسرائيل وإعادة إطلاق دينامية شعبية مناهضة للاحتلال وعملائه، القدامى والجدد.

تم الاتفاق على الخطة، واختيار يوم عاشوراء لما يحمله من رمزية وقدرة على الحشد الشعبي. تولّت مجموعات من المقاومة الوطنية تنفيذ عمليات عسكرية في ذلك اليوم العاشر من عاشوراء، حيث سقط الشهيد المقاوم سهيل حمورة، فيما انتشرت مجموعات مدنية منخرطة في قلب الحشود الكبرى في ساحة البيدر في النبطية.

كانت تلك الانتفاضة الشعبية حدثًا استثنائيًا، غيّر مسار الأمور بالكامل، وأعاد رسم المشهد في الجنوب، مكتملًا بصورة مقاومة وطنية مدنية شاملة، شارك فيها مجتمع بأكمله في مواجهة الاحتلال.

إرث متجدّد في مواجهة الانقسام والارتهان

لم تنتهِ المقاومة المدنية الشاملة عند تلك المرحلة، بل بقيت نهجًا فكريًا وسياسيًا حيًا أطلقه الإمام شمس الدين، ويبدو لبنان اليوم أحوج ما يكون إليه، إلى جانب الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدّمها الجيش اللبناني.

فالمقاومة المدنية الشاملة، كما أرادها شمس الدين، تقوم في بنية المجتمع، لا في التقوقع المذهبي، وفي الانتماء الوطني لا الارتهان للخارج أو للدول الإقليمية. وهي مقاومة حوّلت الثقافة المدنية إلى وعي اجتماعي وطني، قوامه العدالة والحرية والقيم الإنسانية.

تلك هي المقاومة التي أعلنها الإمام محمد مهدي شمس الدين: مقاومة الوعي، والمجتمع، والدولة، في مواجهة الاحتلال والانقسام معًا.

السابق
خامنئي يصف الاحتجاجات بـ«الفتنة الأميركية».. وواشنطن تحذر: «لا تلعبوا مع الرئيس ترامب»
التالي
صُور بعد الحرب: مدينة تُفرَغ بصمت..