في الذكرى الخامسة والعشرين لغياب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي السابق الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، لا يبدو استحضار فكره ترفًا ثقافيًا أو وفاءً عاطفيًا لرجل دين كبير، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، خصوصًا في لحظة لبنانية وشيعية شديدة الخطورة، أعقبت ما سُمّي بـ«حرب الإسناد» التي خاضها حزب الله خارج الحدود وداخلها، ودفعت الطائفة الشيعية ثمنًا باهظًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، خدمةً لمحور إقليمي لا لمصلحة لبنان ولا لمصلحة الشيعة أنفسهم.
ما بعد التحرير: لحظة الانتباه الكبرى
خلافًا لما يُروَّج اليوم، لم يكن الإمام شمس الدين خصمًا للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. بل على العكس، فقد كان سباقا في طرح مفهوم “المقاومة المدنية الشاملة” كاستراتيجية لمواجهة الالحتلال الاسرائيلي عام 1982، مع التأكيد على أن المقاومة المدنية لا تعني السلمية، بل لاضافة مفهوم ان المقاومة تشمل المدنيين ايضا وليست حكرًا على العسكريين، وتعتمد على الشرعية الشعبية والأساليب السياسية لتحقيق التحرير الكامل. وهو اعتبر المقاومة فعلًا مشروعًا في مواجهة الاحتلال، شرط أن تبقى في سياق وطني جامع، وتحت سقف الدولة اللبنانية، وضمن مصلحة المجتمع لا خارجه.
غير أن تحرير جنوب لبنان عام 2000 شكّل بالنسبة إليه لحظة فاصلة. فبينما رآه كتحقق لهدف وطني كبير، انتبه باكرًا إلى خطر تحويل هذا الإنجاز إلى رأسمال سياسي-عقائدي يُستثمر خارج الدولة.
في مقالات وتحليلات نُشرت لاحقًا في موقع «جنوبية»، جرى التوقف مرارًا عند هذه المرحلة، حيث بدأ شمس الدين يُعبّر بوضوح عن قلقه من استثمار إيراني-حزب اللهي للانتصار، لا بوصفه نهاية صراع دفاعي، بل بوصفه بداية مشروع إقليمي مفتوح، تكون الطائفة الشيعية فيه وقودًا لا شريكًا.
رفض “المشروع الخاص”: جوهر الوصية
لذلك شدد على أن استمرار الانخراط في منطق السلاح خارج إطار الدولة يعرّض المجتمع للخطر ويفسح المجال للاستغلال الخارجي. هذا السياق يطرح موقفه الوطني في مواجهة ما آل إليه وضع الشيعة و لبنان اليوم: بعد أكثر من أربعين عامًا من التحالف الهيكلي بين حزب الله وإيران، تحول السلاح إلى قضية مركزية تُستخدم في صراعات إقليمية، وغالبًا ما تكون نتائجها ثقيلة على الشيعة أنفسهم وعلى الدولة اللبنانية بشكل عام.
وكان الامام شمس الدين قد حذر في أكثر من مناسبة، أن تحويل السلاح إلى هوية، والمقاومة إلى وظيفة دائمة، سيقود حتمًا إلى صدام مع الداخل قبل الخارج. وهو ما نراه اليوم بوضوح، حيث بات السلاح أداة تفاوض إقليمي، لا وسيلة دفاع وطني.
في هذا السياق، كانت إحدى وصاياه أن الشيعة اللبنانيين ليس لهم مشروع خاص منفصل عن الدولة اللبنانية، وأن الحل الوحيد يكمن في مشروع الدولة العادلة أو”الدولة المدنية” كما اطلق عليها، وهي دولة غير عسكرية وغير دينية، “دولة بلا دين” كما وصفها.
قبل شهرين فقط من وفاته عام 2001، سجّل الإمام شمس الدين وصاياه الشهيرة بصوته، وهي وصايا جرى تداولها لاحقًا في أكثر من وسيلة إعلامية، وأعاد موقع “جنوبية” نشر مقتطفات أساسية منها في أكثر من مناسبة. في هذه الوصايا، قال بوضوح لا يحتمل التأويل:
«أوصي الشيعة في لبنان بأن لا ينخرطوا في مشروع خاص، لا سياسي ولا أمني ولا عسكري… مشروعهم هو مشروع الدولة اللبنانية».
هذه العبارة، التي تبدو اليوم كأنها كُتبت على ضوء ما جرى لاحقًا، تختصر رؤية شمس الدين الاستراتيجية: أي مشروع شيعي خارج الدولة هو مشروع خطر على الشيعة قبل غيرهم. كان يدرك أن تحويل الطائفة إلى كيان سياسي-عسكري مستقل، حتى لو رُفع شعار المقاومة، سيؤدي في النهاية إلى عزلها، واستعداء محيطها الوطني، وربط مصيرها بصراعات إقليمية لا قدرة لها على التحكم بها.
تحرير جنوب لبنان عام 2000 شكّل بالنسبة إليه لحظة فاصلة. فبينما رآه كتحقق لهدف وطني كبير، انتبه باكرًا إلى خطر تحويل هذا الإنجاز إلى رأسمال سياسي-عقائدي يُستثمر خارج الدولة.
حرب الإسناد: تحقق النبوءة القاتمة
ما جرى في السنوات الأخيرة، وخصوصًا بسياق ما سُمّي «حرب الإسناد» في تشرين اول 2023، يقدّم الدليل الأوضح على صحة مخاوف شمس الدين. فالقرار لم يكن لبنانيًا، ولا شيعيًا جامعًا، بل قرار محور. والنتائج لم تكن نصرًا، بل هزيمة عامة وخسائر خلّفت استنزافًا مفتوحًا: دمار، تهجير عشرات الالاف من الجنوبيين، ضرب للاقتصاد، توتير للجبهة الداخلية، تعريض مناطق شيعية لخطر دائم، وزيادة عزلة لبنان عربيًا ودوليًا.
هنا تحديدًا تحققت نبوءة الامام القاتمة وتجلّت المفارقة المأساوية، فالمشروع الذي قيل إنه لحماية الشيعة، وضعهم اليوم في خطر وجودي فعلي، سياسيًا وديموغرافيًا وأمنيًا، تمامًا كما حذّر الإمام الراحل قبل ربع قرن.
«أوصي الشيعة في لبنان بأن لا ينخرطوا في مشروع خاص، لا سياسي ولا أمني ولا عسكري… مشروعهم هو مشروع الدولة اللبنانية».
الاندماج لا الانعزال: وصية لم تُنفّذ
شدّد شمس الدين، في وصاياه الأخيرة، على أن قوة الشيعة في لبنان ليست في السلاح، بل في اندماجهم الكامل في دولتهم ومجتمعهم، وفي شراكتهم الوطنية مع سائر اللبنانيين. كان يرى أن الطائفة التي تنغلق على ذاتها، أو تُستخدم كأداة في مشروع خارجي، تفقد قدرتها على حماية نفسها وعلى المساهمة في بناء وطنها.
اليوم، وبعد كل ما جرى، يبدو أن السؤال لم يعد: هل كان شمس الدين محقًا؟ بل: كم من الخسائر كان يمكن تفاديها لو أُخذت تحذيراته على محمل الجد؟
في الذكرى الخامسة والعشرين لغيابه، يعود الإمام محمد مهدي شمس الدين لا كذكرى، بل كمرآة. مرآة تكشف المسار الذي اختاره الشيعة في لبنان، والمسار الذي حذّرهم منه. وبين المسارين، فرق بين مشروع حياة داخل دولة، ومشروع موت داخل محور ارتضى ان يخالف وصيته، ووضع الشيعة في مشروع مقاتل عابر للاوطان جرّ على الوطن والطائفة وبالاً واحزاناً كثيرة.

