مِيزانُ المِلح..

الزراعة

قبل أن تطأ الأقدامُ عتباتِ العصرِ اللاهث، كانت القريةُ تفتحُ ذراعيها لمواسمِ الحصادِ في حزيرانَ وتموزَ وآب، وكأنها تفتحُ قلبها للعالمِ أجمع. فمن فيافي البقاعِ الغربيِّ وتلالِ قيتولة، ومن سهولِ الهرملِ وأطرافِ الشمال، كانت تقبلُ قوافلُ الجمالِ كغيماتٍ مُثقلةٍ بالودّ، لا تبحثُ عن التبنِ والقمحِ والشعيرِ فحسب، بل تبحثُ عن أمانِ الكلمةِ وصدقِ العهد. كان الضيفُ يحلُّ بساحةِ الفلاحِ صاحبِ الدار، فتغدو البيوتُ مضافاتٍ مشرعةً لأيام، يُكرمُ فيها العابرُ كما يُكرمُ المقيم، وتنسابُ المونةُ البلديةُ من جرارِ الفلاحين هدايا ومحبة، لا يطلبون لها ثمناً إلا طيبَ الأثر. كانت التجارةُ حينذاك عقداً معقوداً بالنياتِ الصافية، فكثيراً ما كانت القوافلُ تعودُ بوقرِها إلى قراها، ولا يُدفعُ الثمنُ إلا بعدَ وصولها بسلام، فالثقةُ كانت أرسخَ من الصخر، والأمانةُ ميثاقاً غليظاً يتوارثه الأبناءُ عن الآباء. اليوم، إذ نرقبُ نُدرةَ تلك المشاهدِ في زحامِ المادة، نستدعي تلك الروحَ لتكونَ درعنا في مواجهةِ كلِّ غريبٍ وهجين.

الطيبة ليست ضعفا

في تلك المداشرِ القابعةِ فوقَ جَبينِ المرتفعات، حيثُ العروقُ مشدودةٌ إلى أديمِ الأرضِ كأوتارِ العود، لا تُصنَّفُ الطيبةُ في خانةِ الضَّعف، بل هي “الفطرةُ الحصيفة” التي تجعلُ من صدرِ الإنسانِ فضاءً رحباً يسعُ المدى، ومن عقلهِ ميزاناً لا يطيش. هناك، لا تنبتُ السذاجةُ في حقولِ التبغِ والقمح، لأنَّ مَن يراقبُ نموَّ البذرةِ في صمتِ الليل، ويتلمسُ نبضَ الغيمِ قبلَ هطولِه، لا يمكنُ أن يكونَ غافلاً عن تقلباتِ النفوس. إنها تلك المعادلةُ الوجوديةُ التي تزاوجُ بين “الأصالةِ والعبور”، حيثُ يظلُّ القلبُ طاهراً كَنبعِ الجبل، بينما تظلُّ البصيرةُ حادةً كفأسٍ تقطعُ الشكَّ بيقينِ العمل.

كانت الساحةُ العامةُ في مواسمِ الغلالِ شاهدةً على صراعِ القيم، حين كان يطلُّ التجارُ القادمون من ضجيجِ الأسواقِ البعيدة، يحملون في حقائبهم لغةَ الأرقامِ الجافةِ ومكائدَ “التشاطر” التي تتوهمُ الالتفافَ على عرقِ الجبين. هؤلاءِ الذين يحسبون المحصولَ حفنةً من دنانير، يجهلون أنَّ السنبلةَ في عُرفِ الفلاحِ هي قطعةٌ من الروح، وشقاؤه طيلةَ مواسمِ الحراثةِ والقطفِ ليس سلعةً تُباعُ بكسادِ الكلمات. لقد كان تجارُ الزمنِ العتيقِ شركاءَ في الهمِّ، يقتسمون الرزقَ بميزانِ العدلِ الذي يراعي “قدسيةَ الجهد”، أما الوافدون بروحِ النفعية، فيصطدمون بطيبةٍ ليست غافلة، بل هي ترفُّعٌ عن الدناءةِ ورصدٌ دقيقٌ للخديعة؛ فالأصيلُ لا يُخدعُ لأنه يرى بالقلبِ ما لا يراهُ المشتري بالعين، ويعلمُ أنَّ البركةَ لا تحلُّ في مالٍ سُرقَ من تعبِ المنجل.

التحام صوفي مع الأرض

هذه العلاقةُ مع الأرضِ ليست مجردَ فلاحة، بل هي التحامٌ صوفيٌّ يعمقُ في النفسِ صدقاً نادراً، فالطبيعةُ لا تكذب، ومَن عاشرها استقى منها كبرياءَ القممِ وتواضعَ الوديان. إنَّ عطاءَ الأرضِ هو مرآةٌ لصفاءِ السريرة؛ لذا تجدُ ابنَ القريةِ يمنحُ ثقتَه بفيض، لكنه يسحبها بيقظةٍ إذا ما أحسَّ بريحِ الغدر. هذا التوازنُ الفطريُّ هو الذي يحمي الروحَ من الانكسارِ أمامَ زحفِ الأنماطِ الهجينة، حيثُ بدأ بعضُ الذين غرتهم بهرجةُ المدنِ ينظرون إلى بساطةِ أهلهم بوصفها سذاجة، متبنين قشورَ الحداثةِ التي لا تسمنُ من جوعِ الروح، ومتناسين أنَّ الحكمةَ الحقيقيةَ تسكنُ في التجاعيدِ التي حفرتها الشمس، لا في صخبِ الشعاراتِ الجوفاء.

ومع هبوبِ رياحِ التكنولوجيا واقتحامِ العوالمِ الافتراضيةِ لحرمةِ البيوت، لم تقفِ القريةُ موقفَ العاجز، بل استقبلت “الوافدَ التقنيَّ” بمنظومتها القيميةِ الراسخة. إنَّ تلك اليقظةَ الروحيةَ تفرضُ تطويعَ الآلةِ لخدمةِ الإنسان، لا رهنَ الإنسانِ لعبوديةِ الشاشات. فالأسرُ التي تعجنت طينتها بوفاءِ التربة، ترحبُ بكلِّ جديدٍ يختصرُ المسافات، لكنها ترفضُ أن تغزوها عاداتٌ غريبةٌ تمزقُ نسيجَ الألفةِ وتقلبُ لغةَ التواصلِ إلى صمتٍ بارد. إنَّ الاستمساكُ بنباهةِ رجالِ القريةِ يعلمنا أنَّ العبورَ إلى المستقبلِ لا يقتضي هدمَ الجسورِ مع الماضي، بل الثباتَ على أرضٍ صلبةٍ من الأخلاقِ الموروثة. هكذا يظلُّ الإنسانُ طيباً دون استغلال، وواعياً دون خبث، يصافحُ العالمَ بِيَد، ويتمسكُ بجذورِه باليدِ الأخرى، ليعبرَ نفقَ الزمانِ بأمان، مسترشداً بنورِ الأصالةِ التي لا تغيب.

السابق
لقاء تشاوري لقوى شيعية معارضة.. بدأنا مسار التنسيق والتوحيد واجتماعاتنا مفتوحة
التالي
خديعة «الموساد» في لبنان: اعترافات مثيرة لمغترب لبناني استدرج النقيب شكر بتكليف إسرائيلي