تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لحماية المتظاهرين الإيرانيين يُعدّ تصريحًا لافتًا وغير مسبوق قياسًا بتجارب رؤساء أميركيين سابقين. فهذا الحراك ليس الأول من نوعه في إيران، إذ شهدت البلاد موجات احتجاج متعددة، أبرزها احتجاجات عام 2009 عقب اتهامات المعارضة بتزوير الانتخابات الرئاسية، والتي عُرفت بـ”الثورة الخضراء”، ثم احتجاجات ما بعد مقتل مهسا أميني التي عمّت معظم الأراضي الإيرانية.
واليوم نشهد حراكًا ذا خلفية اقتصادية–اجتماعية في ظل التدهور الحاد للعملة والأوضاع المعيشية. في المحطات السابقة، اكتفت الإدارات الأميركية بالتنديد باستهداف المتظاهرين، دون الذهاب أبعد من ذلك. أما اليوم، فنحن أمام خطاب مختلف في طبيعته وجديته، لا سيما في ضوء تطورات إقليمية ودولية حديثة، من بينها سابقة توقيف مادورو على يد القوات الأميركية، وكذلك المواجهة المباشرة التي استمرت 12 يومًا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وعليه، يصعب التقليل من شأن هذا التهديد، إذ قد يترك آثارًا مباشرة وغير مباشرة، أبرزها تشجيع الشارع الإيراني على الاستمرار في الاحتجاج، وترسيخ شعور بأن المتظاهرين ليسوا متروكين بالكامل في مواجهة السلطة.
منطق ترامب في السياسة الخارجية
لا يتعامل دونالد ترامب مع السياسة الخارجية بوصفها فعلًا عشوائيًا أو انفعاليًا صرفًا، بل ينطلق من تصور واضح لدور الولايات المتحدة ومكانتها. يكفي التوقف عند انتقاداته المتكررة لباراك أوباما وجو بايدن، حيث حمّلهما مسؤولية إضعاف صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى، نتيجة ما يصفه بالتردد وعدم الحزم في الدفاع عن المصالح الأميركية.
ويستشهد ترامب في هذا السياق بأمثلة مثل الرد الأميركي الضعيف على اغتيال السفير الأميركي في ليبيا، أو تراجع أوباما عن تنفيذ تهديده للنظام السوري بعد استخدام السلاح الكيميائي، وهو ما أتاح، بحسب رؤيته، لإيران توسيع نفوذها في المشرق العربي.
مقاربة ترامب لإيران: الردع لا الحروب
تشكّل هذه الخلفية مدخلًا أساسيًا لفهم مقاربة ترامب تجاه إيران. صحيح أنه رفع شعار عدم الانخراط في الحروب الخارجية، إلا أن ذلك لا يعني، في منطقه، ترك المصالح الأميركية عرضة للتهديدات.
من هنا، يمكن قراءة تهديده بالتدخل كأداة ضغط سياسي ونفسي تهدف إلى إعادة ترميم صورة الردع الأميركي، مع توظيف ملف حقوق الإنسان كغطاء شرعي محتمل لأي تحرك، لا سيما في ظل وجود لوبيات إيرانية ناشطة تدفع باتجاه تغيير النظام. وعليه، فإن التهديد لا ينفصل عن استراتيجية أوسع تسعى إلى الجمع بين استعادة الهيبة الأميركية واستثمار اللحظة الداخلية الإيرانية.
النظام الإيراني في أضعف مراحله
أما من جهة النظام الإيراني، فهو لا يمرّ في أفضل مراحله. فقد جرت الكثير من المياه منذ اغتيال قاسم سليماني، مرورًا بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا وصعود سلطة جديدة بقيادة أحمد الشرع، والتي لم تُخفِ رفضها إعادة بناء علاقات مع طهران على خلفية دورها في الحرب السورية.
يُضاف إلى ذلك تلقي الحليف الأبرز لإيران في لبنان ضربات قاسية نتيجة المواجهة مع إسرائيل في سياق حرب الإسناد، وصولًا إلى اغتيال أمينه العام التاريخي حسن نصرالله، ما أفقد طهران إحدى أهم أوراقها الإقليمية التي شكّلت لسنوات “درعًا متحركًا” ضمن استراتيجيتها القائمة على إدارة الصراع عبر الوكلاء.
ضغط داخلي وخارجي متزامن
في هذا السياق، تستشعر القيادة الإيرانية خطرًا وجوديًا مزدوجًا: من جهة الضغط الداخلي المتصاعد مع اتساع رقعة الاحتجاجات، ومن جهة أخرى الضغط الخارجي المتجدد مع تهديدات ترامب الساعية إلى إعادة بناء الردع الأميركي، خاصة أن إيران لا تزال تعاني من تداعيات المواجهة العسكرية التي استمرت 12 يومًا في حزيران الماضي.
وعليه، من المرجح أن تقرأ طهران هذه التهديدات بوصفها جدية لا عابرة، في ظل تراجع هوامش المناورة داخليًا وإقليميًا، ما يضع النظام أمام معادلة شديدة التعقيد في إدارة الشارع والأمن.
طبيعة الحراك الشعبي الإيراني
إن الشعب الإيراني شعب له جذور راسخة وطابع وطني قوي، وقد خرج للاحتجاج من أجل كرامته وحقوقه، وليس لخدمة أجندة خارجية، حتى لو تلاقت بعض مصالحه مع الخارج. هذا يعني أن الدعم الخارجي قد يساعد في كسر حاجز الخوف أو تعزيز المعنويات، لكنه ليس المحرك الأساسي للحراك.
شروط استمرارية الاحتجاجات
من المرجح أن تستمر الاحتجاجات بوتيرة أكبر، لكن فاعليتها تتوقف على عاملين أساسيين:
الأول، قدرة المتظاهرين على تنظيم أنفسهم وإنتاج قيادة شجاعة، ورعائية، وفعّالة قادرة على التنسيق اليومي بين المدن والأحياء المنتفضة.
الثاني، جدية الدعم الدولي في توفير أدوات تكنولوجية، مثل وسائل الالتفاف على محاولات السلطات قطع الإنترنت، للحفاظ على حلقة التواصل بين مختلف المجموعات.
هذان العاملان سيحددان مدى استمرار الحراك وتأثيره على النظام.
خيارات النظام ومعادلة البقاء
يمكن القول إن الإدارة الأميركية تبدو جادة في دعم المتظاهرين الإيرانيين، وتهديد ترامب لا يقتصر على تقديم الدعم المعنوي للشعب، بل يحمل رسالة واضحة للقيادة الإيرانية حول ضرورة التعاون في الملف النووي، مع الإشارة إلى أن استمرار عناد طهران قد يدفع واشنطن إلى توسيع أساليب الدعم للمتظاهرين.
من جانبها، تعتبر القيادة الإيرانية هذا التدخل تدخّلًا فاضحًا في شؤونها الداخلية، لكنها تدرك جدية التهديدات الأميركية، وتجد نفسها أمام خيارات شبه محدودة وأقسى من أي وقت مضى.
فالاستجابة لمطالب الشعب قد تعني فقدان قبضتها الحديدية على السلطة، بينما الإصرار على القمع يضعها في مواجهة مباشرة مع تهديدات ترامب. وهكذا يجد النظام الإيراني، كغيره من الأنظمة الديكتاتورية، نفسه أمام معادلة صعبة: التغيير من ضمن الاستمرارية، وهو أمر صعب التحقق نظرًا لطبيعته الدينية والسياسية، أو مواجهة السقوط، مما يجعل أي تحرك داخلي أو خارجي اختبارًا دقيقًا لاستراتيجية البقاء.

