ما الذي أردته إسرائيل من اعترافها بجمهورية أرض الصومال؟

صوماليلاند

إعلان إسرائيل عن اعترافها بجمهورية أرض الصومال المعلنة من جانب واحد يفتح المجال لتساؤلات استراتيجية هامة حول الأهداف المحتملة لهذا القرار، خاصة في سياق الصراع الإقليمي والضغوط الداخلية والإقليمية التي قد تواجهها إسرائيل في المستقبل.

أولًا: هل تسعى إسرائيل من خلال هذه الخطوة إلى استخدام صوماليلاند كمقايضة لاستقبال سكان غزة؟

قد يكون هذا الاحتمال بعيدًا بعض الشيء من حيث تنفيذه الفعلي، ولكنه لا يخلو من بعض المنطق. في ظل الوضع المتأزم في قطاع غزة، حيث يعاني الفلسطينيون من الحصار والمشاكل الإنسانية المستمرة، ربما ترى بعض الدوائر الإسرائيلية أن محاولة إيجاد “حلول” للمشاكل الإنسانية قد تتضمن مفاوضات حول توطين لاجئين فلسطينيين في مناطق أخرى، بما في ذلك الأراضي المتنازع عليها في الصومال. فكرة إقامة “دولة” جديدة في منطقة  جمهورية ارض الصومال قد تُعتبر بمثابة حل بديل للأزمة السكانية في غزة، مما قد يسمح لإسرائيل بتحقيق أهدافها في تصفية القضية الفلسطينية من خلال تحويل مسار جزء من الفلسطينيين إلى مناطق بعيدة عن مناطق النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. هذه الخطوة قد تُعتبر جزءًا من استراتيجية إسرائيلية أكبر تهدف إلى تصدير أزمة غزة إلى الخارج وتخفيف الضغط الديموغرافي.

ثانيًا: هل تسعى إسرائيل إلى التلاعب بالأراضي الصومالية لمصالحها الخاصة؟

إسرائيل غالبًا ما تتبع سياسة دعم الحركات الانفصالية أو الاستقلالية في المناطق التي تخدم مصالحها الاستراتيجية. فعلى مدار السنوات، دعمت إسرائيل حركات استقلالية في مناطق مختلفة من العالم، ويبدو أن دعمها لصوماليلاند يدخل في هذا السياق. من خلال تعزيز علاقاتها مع جمهورية أرض الصومال، قد تسعى إسرائيل إلى تأمين موطئ قدم لها في القرن الأفريقي، وهو ما قد يوفر لها مزيدًا من النفوذ في المنطقة. هذه الخطوة قد تهدف أيضًا إلى تحييد بعض القوى الإقليمية مثل إيران أو دول أخرى، وتعزيز وجودها في واحدة من أكثر المناطق استراتيجيًا في العالم، خاصة في ظل المنافسة مع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا على النفوذ في القارة الأفريقية. إسرائيل قد تسعى أيضًا إلى استخدام هذه العلاقات لتأمين طرق التجارة والممرات البحرية في البحر الأحمر، التي تعد حيوية للاستراتيجيات العسكرية والاقتصادية، وقد تساهم هذه الخطوة في تقليص النفوذ العربي في المنطقة، مما يعزز موقف إسرائيل في التنافس الإقليمي.

ثالثًا: تحول إسرائيل نحو البحر الأحمر

إسرائيل تسعى إلى تعزيز نفوذها في البحر الأحمر من خلال استخدام موانئ وأراضي الدول المطلة عليه لبناء قواعد عسكرية، وهو ما يهدد الأمن القومي العربي بشكل مباشر. يعتبر البحر الأحمر “بحرًا عربيًا”، وهذه الخطوة تسعى إلى وضع نفسها كشريك رئيسي في هذا الممر الاستراتيجي الهام. فهذا التوسع يهدف إلى التحكم في حركة الملاحة البحرية وتأثيرها على الأمن العربي بشكل عام، وبالتالي ضرب أمن البحر الأحمر، الذي يمثل أحد الروافد الحيوية للأمن القومي العربي.

رابعًا: التواصل مع الدول الإفريقية

تحاول إسرائيل توسيع علاقاتها مع بعض الدول الإفريقية مثل إثيوبيا وإريتريا، وهي دول تقع في منطقة البحر الأحمر وحوض النيل. من خلال هذه العلاقات، تهدف إسرائيل إلى التلاعب بالأمن القومي الإفريقي، حيث تعمل على زيادة الانقسامات الداخلية بين هذه الدول، وفتح أبواب النفوذ الإسرائيلي على حساب السيادة الوطنية لهذه الدول. إسرائيل تستغل التوترات الداخلية والمشاكل السياسية في هذه الدول لتحقيق مصالحها الخاصة، مما يعزز تدخلاتها في الشؤون الإفريقية.

خامسًا: التمركز العسكري في مواجهة اليمن

إسرائيل تسعى أيضًا إلى بناء قاعدة عسكرية على بعد 120 كيلومترًا من اليمن، في منطقة استراتيجية تعتبر خطًا ناريًا مواجهًا للحوثيين وإيران. من خلال هذه القاعدة، تستطيع الطائرات الإسرائيلية الإقلاع بسهولة لمتابعة الأنشطة العسكرية في المنطقة، بالإضافة إلى جمع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة التي يمكن أن تساهم في تنفيذ ضربات عسكرية مؤثرة ضد الحوثيين في اليمن. هذا التواجد العسكري الإسرائيلي يعكس تزايد تدخلات إسرائيل في الشؤون الإقليمية التي كانت تاريخيًا تحت النفوذ العربي.

سادسًا: التحكم في مضيق باب المندب

إسرائيل تسعى للهيمنة على مضيق باب المندب، الذي يعد من أهم المعابر البحرية في العالم. السيطرة على هذا المضيق يعني السيطرة على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي التأثير على حركة السفن التجارية والبترولية التي تمر عبره. هذا التوجه يهدف إلى شل قدرات الحوثيين الذين يهاجمون السفن والبواخر العابرة، دون تصدي من السلطات المحلية، مما يؤدي إلى تقييد حركة التجارة البحرية في المنطقة وفرض رقابة إسرائيلية عليها، وهي خطوة تهدد الأمن العربي والإقليمي بشكل عام.

سابعًا: التدخل الإسرائيلي في سياسة تقسيم دول عربية

الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية أرض الصومال يمثل خطوة استراتيجية من إسرائيل لدعم الانفصال وتقسيم دول عربية، وقد يكون له تأثير كبير على الوضع في “حضرموت” باليمن. إسرائيل تشجع المجلس الانتقالي في اليمن على الانفصال والاعتراف به كدولة مستقلة، وهو السيناريو الذي يتكرر في مناطق أخرى مثل سوريا، حيث تشير التقارير إلى أن إسرائيل تدعم الجماعات الانفصالية في السويداء السورية وتقدم لها الدعم العسكري. هذه السياسة تهدف إلى تعزيز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة العربية عبر تشجيع الانقسامات السياسية والعرقية، مما يضعف الاستقرار في الدول المستهدفة.

على الرغم أن موقف الجامعة العربية من هذه التحركات يبقى ضعيفًا ورمزيًا، إلا أن إسرائيل ستواجه بهذا التلاعب القوى الكبرى في المنطقة مثل مصر والسعودية وتركيا. فهل هذه القوى ستسكت على استباحة الأمن القومي العربي؟ نتنياهو يعتمد على هذه اللعبة الجيوسياسية الكبيرة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية. التغيير الديموغرافي، التوسع الاقتصادي، والسيطرة على ممرات التجارة البحرية والنفطية هي عناصر رئيسية في هذا التحرك الإسرائيلي.

 السؤال الأهم يبقى: هل سيحظى هذا التوجه بتأييد الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة، خصوصًا مع إدارة الرئيس ترامب، التي قد تدعم هذه التحركات إذا كانت تصب في صالح مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، في الوقت الذي قد تتهدد فيه مصالحها الاقتصادية إذا وافقت على تصرفات ترامب، وبالتالي قد تخسر الورقة العربية؟

السابق
الحجار: وزارة الداخلية ليست في وارد تقديم أي اقتراح لتأجيل الانتخابات
التالي
إيران بين قبضة القضاء ودعوات الحوار.. احتجاجات الغلاء تتمدد للجامعات والريال ينهار أمام الدولار