كيف يتعامل حزب الله مع خصومه، ولا سيما أولئك الآتين من الجنوب، وتحديدًا من داخل البيئة الشيعية نفسها؟
السؤال هنا ليس استفزازيًا، والجواب ليس رأيًا أو انطباعًا، بل توصيف لسلوك موثّق ومتكرر، يكفي التحقق منه عبر جولة سريعة على منصات التواصل الاجتماعي، أو عبر الاستماع إلى شهادات أشخاص عاشوا داخل مناطق نفوذ الحزب ثم غادروها.
أولًا: القمع المنهجي من التخوين إلى التهديد
على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يَقبل الحزب ولا بيئته المنظمة أي نقاش خارج الخط المرسوم. الردّ يبدأ دائمًا بالتخوين: عميل، مشبوه، مدفوع… ثم ينتقل سريعًا إلى تلفيق التهم والتحريض المباشر على الشخص المستهدف، وعلى عائلته، وعلى مصدر رزقه.
التهديد لا يكون ضمنيًا ولا ملتبسًا، بل صريحًا ومباشرًا، ويُقدَّم بوصفه «حقًا مكتسبًا» لمن يدّعي حماية المقاومة. العنف اللفظي هو القاعدة لا الاستثناء: شتائم بذيئة، ألفاظ جنسية، صور مهينة، وانعدام تام لأي حدّ أخلاقي أو اجتماعي. وهذا ليس انفلاتًا فرديًا، بل نمطًا متكررًا تنتجه ماكينة منظمة تعرف تمامًا ماذا تفعل، وتهدف إلى تشويه الخصم، كسر صورته العامة، ودفعه إلى الصمت أو الرحيل.
على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يَقبل الحزب ولا بيئته المنظمة أي نقاش خارج الخط المرسوم. الردّ يبدأ دائمًا بالتخوين: عميل، مشبوه، مدفوع
ثانيًا: من الفضاء الرقمي إلى الواقع… العنف كأداة ضبط
هذا السلوك لا يقتصر على الفضاء الرقمي. التجربة الواقعية تقول الشيء نفسه، ولكن بوقاحة أكبر. فسجلّ الحزب حافل بالاعتداءات على المدنيين، وخصوصًا على أبناء بيئته نفسها. ما جرى في تشرين 2019 في النبطية لم يكن حادثًا عابرًا، ولا ردّة فعل شعبية عفوية، بل نموذجًا واضحًا لاستخدام العنف الجماعي لقمع أي صوت يخرج عن الاصطفاف المفروض.
ومنذ ذلك التاريخ، وقبله أيضًا، تتوالى شهادات أفراد تعرّضوا للتهديد، والضرب، والملاحقة، والتضييق المعيشي، فقط لأنهم تجرأوا على الاعتراض أو إبداء رأي مخالف.
هنا يسقط القناع الديني الذي يصرّ الحزب على ارتدائه. فهذا الحزب، الذي يدّعي تمثيل الطائفة وحمايتها، يمارس عليها شكلًا من أشكال الوصاية القسرية، ويحوّل الانتماء المذهبي إلى سجن سياسي مغلق.
نزيف صامت وهروب من «البيئة الحاضنة»
النتيجة الاجتماعية باتت واضحة ولا تحتاج إلى إحصاءات. كل شخص قادر على مغادرة الجنوب يفعل ذلك، لا حبًا بالهجرة، بل هربًا من مناخ خانق ولغة تهديد دائمة. أما من يبقى، فغالبًا ما يفعل ذلك مكرهًا، بسبب العمل، أو الالتزامات العائلية، أو الخوف من الكلفة.
تتوالى شهادات أفراد تعرّضوا للتهديد، والضرب، والملاحقة، والتضييق المعيشي، فقط لأنهم تجرأوا على الاعتراض أو إبداء رأي مخالف.
وفي الأحاديث الخاصة، تتكرر جملة واحدة بلا مبالغة:
«هيدول الناس ما بينعاش معهم».
هذا هو الواقع من دون تزييف: حزب يدّعي حماية «البيئة الحاضنة»، فيما يشهد الجنوب والضاحية أكبر نزيف بشري صامت، هو نزيف الهروب من هذه البيئة نفسها. لا بسبب العدو وحده، بل أيضًا بسبب حزب قرّر أن يدير مجتمعه بالإكراه، والخوف، والخرافات.

