إعادة إعمار أم تمويل سياسي؟!

يطرح قرار الحكومة تحويل الأموال إلى مجلس الجنوب تساؤلات حول تناقضه مع ما ورد في البيان الوزاري بشأن إعادة الإعمار. فبين الالتزام المعلن بالشفافية ودعم المتضررين، وبين واقع التمويل الذي أُعلن عنه، تظهر فجوة تستحق الوقوف عندها.

أشار الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين إلى أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة للحرب الإسرائيلية على لبنان بلغت حتى اليوم نحو 13 مليار دولار، في ظل غياب تقدير نهائي لحجم هذه الخسائر مع استمرار القصف، ما ينذر بتفاقم الأعباء المالية المترتبة على الدولة اللبنانية.

تعويم انتخابي سياسي!

وإذا كان من واجب الحكومة تعويض المتضررين عن الأضرار التي لحقت بهم، فإن الآلية المعتمدة لتحقيق هذا الهدف تستدعي التوقف عندها. ففي هذا السياق، يثير قرار الحكومة تخصيص 88 مليون دولار لمجلس الجنوب تساؤلات عدة، لا سيما في هذا التوقيت الحساس. وقد تزامن القرار مع إعلان النائب علي حسن خليل عن تلزيم أشغال عبر المجلس، إلى جانب صدور بيان شكر من إحدى البلديات تشيد بدوره ومتابعته، ما يفتح باب النقاش حول الفصل بين الواجبات الإنمائية ومتطلبات المشهد السياسي والانتخابي.

إقرأ أيضا: خلافة «قاسم» وتعيين «رعد» تكشف تصدعات في قيادة «حزب الله» بين المحافظين و«تيار التجديد»

في هذا الإطار، يبرز تساؤل مشروع حول ما إذا كانت هذه الخطوات قد تُفسَّر على أنها شكل من أشكال التعويم الانتخابي للثنائي الشيعي، بما قد ينعكس سلبًا على مبدأ تكافؤ الفرص وقواعد المنافسة النزيهة في الاستحقاق النيابي، في وقت بدأت فيه القوى السياسية الاستعداد له. كما يطرح ذلك سؤالًا إضافيًا حول مدى جدوى اعتماد الحكومة هذا المسار تحديدًا، بدل البحث عن آليات بديلة لتعويض المتضررين، بما يحدّ من توظيف الأموال العامة في حسابات سياسية باتت معروفة التأثير في المشهد الانتخابي.

تناقض مع البيان الوزاري

لا يبدو أن ما أقدمت عليه الحكومة يندرج ضمن إطار إعادة الإعمار بالمعنى الذي حدّده بيانها الوزاري، بقدر ما يثير تساؤلات حول طبيعة المقاربة المعتمدة. إذ ينصّ البيان الوزاري صراحة على التزام الحكومة “بالإسراع في إعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي وإزالة الأضرار، وتمويل كل ذلك بواسطة صندوقٍ مخصصٍ لهذه الحاجة الملحّة، يمتاز بالشفافية، ويُسهم في إقناع المواطنين بأن الدولة تقف إلى جانبهم ولا تميّز بينهم”.

أين مبدأ الشفافية؟

في هذا السياق، تبرز تساؤلات إضافية: على أي أسس اعتمدت الحكومة هذا القرار؟ وهل من حق المواطنين مساءلتها حوله؟ ومن سيضمن أن تُصرف هذه الأموال فعليًا للمتضررين بطريقة عادلة وفعّالة، لا سيما وأن التجارب السابقة مع المجالس والصناديق في لبنان لم تكن دائمًا مثالية؟

كما يطرح السؤال عن الجهة المكلفة بمراقبة عمل مجلس الجنوب، وعدد المتضررين الذين سيستفيدون من هذه الأموال، والمعايير والترتيب المعتمدين في التوزيع. وفي ظل غياب إجابات واضحة على هذه الأسئلة، يظل قرار التحويل محل نقاش وجدلية حول شفافيته وفاعليته.

الإعمار حق لكل مواطن لبناني، إلا أن هناك حقوقًا أخرى للمواطنين، منها الشفافية والمراقبة والمحاسبة والمساءلة. وهذه الحقوق هي التي تتجاوزها خطوة الحكومة الحالية بقرارها.

السابق
بالفيديو: استهداف إسرائيلي لسيارة على طريق مركبا العديسة
التالي
إخلاء سبيل الوزير السابق أمين سلام بكفالة مالية قدرها 100 ألف دولار